كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 23)

"""""" صفحة رقم 233 """"""
قال : وولي والأندلس نار تضطرم ، وجمرةٌ تتَّقد شقاقاً ونفاقاً ، فأخمد نيرانها وسكّن زلازلها ، وغزا غَزوات كثيرة ، وكان يُشبّه بعبد الرحمن الداخل . ولم يجد من المال ما يستعين به على مصالح جيشه ، فاتفق أن صاحب الدُّوجَر أغار على قرطبة في نحو ثلاثمائة فارس فهزمه عبد الرحمن وأسره . فسّم إليه الحصن بجميع ما فيه فتقوّى به ، ثم التقى مع ابن حفصون في وادي التفاح بجيّان - وكان ابن حفصون في عشرين ألف فارس - فهزمه عبد الرحمن وأفنى أكثر من معه قتلاً وأسْراً .
وبعث إلى المغرب الأوسط ، فملك سبتة وفاس وسجلماسة وعمّرها وغزا الروم بعد ذلك اثنتي عشرة غزوة حتى دوّخ بلادها ، ووضع عليهم جزية يؤدونها . وكان فيما شرط عليهم اثنا عشر ألف صانع يصنعون له في مدينته التي بناها وسمّاها الزهراء ، وهي على ثلاثة أميال من قرطبة ، أسندها إلى سفح الجبل وساق المياه إليها . وقسمها أثلاثاً ، فالثلث الذي يلي الجبل لقصوره ومنازله ، والثلث فيه دور خدَمه وكانوا اثني عشر ألفاً بمناطق الذهب والسيوف المحلاة يركبون لركوبه وينزلون لنزوله ، والثلث بساتين تحت مناظره وقصوره . وجلب إليها أنواع الفواكه ، قال : ومن غريب ما بناه فيها مجلسٌ مشرفٌ على البساتين مرفوعٌ على العمد مبنيٌ بالرخام المجزَّع ، مصفَّح بالذهب ، مرصَّع باليواقيت والجواهر . وصنع أمام المجلس بحراً ملأه بالزئبق فكان النور ينعكس منه إلى المجلس ، فحضر إليه القاضي بقرطبة الفقيه منذر بن سعيد البلّوطي فقرأ " ولولا أن يكون الناس أمّةً واحدةً لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سُقُفاً من فضّةٍ ومعارجَ عليها يظهرون " إلى قوله تعالى " والآخرة عند ربك للمتّقين " فقال له وعظت فأحسنت وأمر بنزع الصفائح .
قال : وكمل بناء الزهراء في اثنتي عشرة سنة ، بألف بنّاء في كل يوم ، مع كل بنّاء اثنا عشر رقاصاً ، وسكنها خمساً وعشرين سنةً .
وطالت أيام الناصر ، وتمكن ، واتسعت مملكته . وكانت وفاته في ليلة الأربعاء لليلتين ، وقيل لثلاثٍ خلت من شهر رمضان المعظم سنة خمسين وثلاثمائة بالزهراء . وحُمل إلى مدينة قرطبة ، فدُفن بها مع أسلافه من بني أميّة . ومولده في يوم الخميس لتسع بقين من شهر رمضان سنة سبع وسبعين ومائتين ، وكان عمره ثلاثاً وسبعين سنة ، ومدّة ولايته خمسين سنة وستة أشهر وأياماً .

الصفحة 233