كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 23)
"""""" صفحة رقم 235 """"""
سعيد البلوطي قاضية وقاضي أبيه ، فلما توفي ، ولي القضاء ابن بشير الفقيه ، فاشترط على المستنصر نفوذ الحكم فيه ممن دونه .
فكان من أخباره أن امرأة منقطعة كان لها أريضة تجاور بعض قصور الأمير ، فاحتاج إليها ليبني فيها شيئاً مما أراد بناءه ، فساومها الوكيل في البيع فامتنعت ، فأخذها الوكيل قهراً وبنى فيها منظرة بديعة وأنفق عليها جملة وافرة . فوقفت المرأة لابن بشير القاضي وقصّت عليه قصّتها ، فركب حماره وجعل عليه خرجاً كبيراً لا يطيق حمله إلا جماعة من الرجال . وقصد الزهراء والمستنصر في تلك المنظرة ، فدخل عليه فقال : ما جاء بالقاضي في هذا الوقت ؟ فقال : أُريد ملءَ هذا الخرج من تراب هذا الموضع فتعجَّب منه الحكم وأمر فمُلِئَ الخرج ثم خلا القاضي به فقال : أدل عليك إدلال العلماء على الملوك الحلماء أن لا ينقل هذا الخرج على الحمار إلا أنا وأنت فضحك الحكم وقال : كيف نطيق ذلك أيها القاضي ؟ فبكى ابن بشير وقال : فكيف نطيق أن نطوق هذا المكان أجمعه من سبع أرضين في حلقي وحلقك يوم القيامة وأنا شريكك في الإثم إن رضيت هذا الحكم ؟ وقصّ عليه القصة ، فبكى الحكم وقال : وعظْت فأبلغت أيها القاضي ثم خرج عن المكان وسلّمه إلى المرأة ما بُني فيه وغُرس .
قال : وكتب إليه العزيز بن المعز صاحب مصر كتاباً يشتمه فيه ويسبه ، فكتب إليه " أما بعد فإنك عرفتنا فهجوتنا ، ولو عرفناك لهجوناك ، والسلام " وكتب إليه قصيدة يفتخر فيها منها :
ألسنا بني مروان كيف تبدّلت . . . بنا الحال أو دارت علينا الدوائر
إذا وُلد المولود منا تهلّلت . . . له الأرض واهتزت إليه المنابر
وكان للحكم من الأولاد هشام ، وسليمان ، وعبد الله . وحاجبه جعفر الصقلي ، المعروف بالفتى
ذكر إمارة هشام المؤيد بالله
وهو العاشر من أمراء بني أمية بلاد الأندلس . بويع له بولاية العهد في حياة أبيه في غُرّة جمادى الأولى سنة خمس وستين وثلاثمائة . وقيل في يوم الاثنين لخمس خلون من صفر منها ، وهو ابن اثنتي عشرة سنة باتفاق الوزراء . وعلموا أن معه المغيرة بن عبد الرحمن