كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 23)
"""""" صفحة رقم 237 """"""
وحجب هشاماً وتلقَّب بالمنصور وأقام الهيبة ، فدانت له أقطار الأندلس كلها ، ولم يضطرب عليه شيء منها لعظم هيبته وحُسْن سياسته . وكان يدخل إلى القصر ويخرج فيقول : أمر أمير المؤمنين بكذا ونهى عن كذا فلا يُعترَض عليه في مقال ولا يُنازع في أفعال .
وكان إذا غزا بلد الروم وكل بهشام من يمنعه من التصرف والظهور والإذْن في دخول أحدٍ من الناس إلى أن يعود من سفره ، فإذا كان بعد سنين أركبه وجعل عليه بُرنساً وألبس جواريه البرانس حتى لا يُعرف منهم ، ويوكل بالطرقات من يطرد الناس عنها حتى ينتهي إلى الزهراء وغيرها من المتنزهات ، ثم يعيده على مثل ذلك . وليس له من الملك إلا الدعاء على المنابر ، وإثبات اسمه على السكة والطرر ، والمنصور على أتمّ ما يكون من الحزم وسدّ الثغور وإقامة العدل وشمول الناس بالإحسان والفضل . فلم ثُر في الضبط وحُسْن السياسة وأمْن السبيل وتوفية حقوق الرياسة بجزيرة الأندلس كأيامه ودامت له هذه الحال بضعاً وعشرين سنة إلى أن توفي ، وكانت وفاته في أقصى الثغور بمدينة سالم في سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة في طريق الغزو .
قال : وكان رحمه الله تعالى له مجلس في الأسبوع يجتمع فيه أهل العلم للكلام بحضرته مدة بقائه بقرطبة ، قال وختن أولاده فختن معهم من أولاد أهل دولته خمسمائة صبي ومن أولاد الضعفاء ما لم تُحص عدتهم ، وأنفق فيه خمسمائة ألف دينار .
وكان ذا همة عالية في الجهاد ، مواصلاً لغزو الروم ، وربما خرج لصلاة العيد فيقع له فيه الجهاد ، فلا يرجع إلى قصده ويركب من فوره بعد انصرافه من الصلاة ، فلا يصل إلى أوائل الدروب إلا وقد لحقه كل من أراد من العساكر . وغزا ستاً وخمسين غزاة ذكرت في المآثر العامرية بأوقاتها ، وفتح فتوحاً كثيرةً ، ووصل إلى معاقل جمَّةٍ امتنعت على من كان قبله . وملأ الأندلس بالغنائم والسبي .
قال : وكان إذا انصرف من قتال العدو إلى سُرادقه يأمر بنفض غبار ثيابه التي شهد فيها الحرب ، ويُجمع ويُحتفظ به . فلما حضرته الوفاة أمر أن ينشر على كفنه ما جمع من ذلك إذا وضع في قبره .