كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 23)
"""""" صفحة رقم 238 """"""
قال : وبنى مدينة الزاهرة بقرب قرطبة ، وانتقل إليها بأهله وولده وحواشيه . وكان قد يُخَوَّف من بني أمية أن يثوروا به ، فأخذ في تقتيلهم صغاراً وكباراً ، عملاً في الباطن لنفسه وفي الظاهر إشفاقاً على المؤيد منهم ، حتى أفنى من يصلح منهم للولاية ، وفرّق في البلاد . فكان ممن هرب الوليد بن هشام الخارج على الحاكم بمصر ، الملقب بأبي زكوة .
وأخبار المنصور طويلة مشهورة لو استقصيناها لطال الكتاب ، وفيما نبّهنا عليه من أخباره وذكرناه من آثاره كفاية . وأخبرني بعض أهل الأندلس أن على قبره مكتوباً :
آثاره تُنْبيك عن أخباره . . . حتى كأنك بالعيان تراه تالله لا يأتي الزمان بمثله . . . أبداً ولا يحمي الثغور سواه
ولما مات رحمه الله - قام بالأمر بعده ولده .
ذكر المظفر أبي مروان عبد الملك
قال : وكان الناس قد تجمعوا وقصدوا الزهراء وقالوا : لا بُدّ من طهور المؤيد وولايته الأمر بنفسه فلما بلغه ذلك آثر الراحة والدعة ، وأحضر عبد الملك وخلع عليه وقلّده ما كان بيد أبيه من الولاية ، ونعته بالحاجب المظفر سيف الدولة . وأُمر فاتن الصغير الخادم أن يخرج إلى المجتمعين فيصرفهم ويخبرهم برضائه بحِجبة المظفر ، فأخبرهم ، فأبوا وخرج المظفر فقابلته الفئة المجتمعة فهزمهم ، وأقام في الحجبة إلى أن توفي اثنتي عشرة ليلة بقيت من صفر سنة تسع وتسعين وثلاثمائة بموضع يقال له القبران في غزوته ، فحمل في تابوت ودفن بالزاهرة وعمره ست وثلاثون سنة . ومدة ولايته ستة أعوام وأربعة أشهر وأيام وغزا الروم ثماني غزوات وبأيامه تضرب المثل بالأندلس عدلاً وأمناً .
ولما مات ولِيَ الحجْبة عبد الرحمن بن المنصور محمد بن أبي عامر وهو أخو المظفر ونُعت بالحاجب المأمون ناصر الدولة ، ويلقب بشنشول فافتتح أموره بالخلاعة والمجانة ، وكان يخرج من منية إلى منية ومن متنزه إلى متنزه بالملاهي والمضحكين ، ويجاهر بشرب الخمر والتهتُّك . ثم طلب من المؤيد أن يدعو له يوليه العهد بعده ، وهدّده بالفتْك به إن لم يفعل ، وكثر الإرجاف بذلك .