كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 23)

"""""" صفحة رقم 59 """"""
واسط ، فخافهم الناس .
فأما هارون بن غريبٍ فإنه كتب إلى بغداد في طلب الأمان لنفسه ويبذل مصادرة ثلاثمائة ألف دينار على أن يطلق له أملاكه وينزل عن الأملاك التي استأجرها ، ويؤدي من أملاكه حقوق بيت المال القديمة . فأجابه القاهر ومؤنس إلى ذلك ، وكتب له كتاب أمان . وقلد أعمال ماه الكوفة وما سبذان ومهر جانقذق ، وسار إلى بغداد . وأما عبد الواحد فإنه خرج من واسط فيمن بقي معه ومضوا إلى السوس وسوق الأهواز فجنوا المال وطردوا العمال ، وأقاموا بالأهواز ، فجهز مؤنس إليهم جيشاً كثيفاً وجعل عليه يلبق . وكان الذي حرضهم على إيفاد الجيش أبو عبد الله البريدي وبذل مساعدته معجلة خمسين ألف دينار على أن يولي الأهواز وعند استقراره في الولاية يعجل ما بقي . فسار الجيش وفيهم أبو عبد الله ، وكان محمد بن ياقوت قد استبد بالأموال والأمر ، فنفرت قلوب من معه من القواد لذلك . فلما قرب يلبق من واسط . أظهروا ما في نفوسهم وفارقوه . ولما وصل إلى السوس فارق عبد الواحد ومحمد بن ياقوت الأهواز وسار إلى تستر ، وفارقهما من معهما من القواد إلى يلبق بأمان .
وبقي مفلح وسرور الخادم مع عبد الواحد فقالا لمحمد بن ياقوت : أنت معتصم بهذه المدينة وبمالك ورجالك ونحن لا مال معنا ولا رجال ومقامنا يضرك ولا ينفعك وقد عزمنا على أخذ الأمان لنا ولعبد الواحد بن المقتدر ، فأذن لهما في ذلك فكتب إلى يلبق فأمنهم ، فعبروا إليه . وبقي محمد بن ياقوت منفرداً فتحير وضعفت نفسه فترأس هو يُلبق واستقر بينهما أن يلبق يؤمنه ويضمن له أمان مؤنس والقاهر ، ففعل . وخرج محمد بن ياقوت معه إلى بغداد ولما وصلوا وفى لهم القاهر بالله ، وأطلق لعبد الواحد أملاكه وترك لوالدته المصادرة التي كان صادرها بها ، واستولى أبو عبد الله البريدي على البلاد ، وعسف أهلها ، وأخذ أموال التجار وعمل بأهل البلاد ما لا تعمله الفرنج ولم يمنعه أحد عما يريد وأعاد إخوانه إلى أعمالهم .
ذكر استيحاش مؤنس وأصحابه من القاهر
في هذه السنة استوحش مؤنس المظفر ويلبق الحاجب وولده علي والوزير أبو علي بن مقلة من القاهر بالله وضيقوا عليه وعلى أسبابه . وكان سبب ذلك أن محمد بن

الصفحة 59