كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 23)

"""""" صفحة رقم 61 """"""
على الهوان إلا من خبث طويته ليدبر عليكم ، فلا تعجلوا حتى تؤنسوه وينبسط إليكم ثم تعرفوا من وطأة من القواد والساجية والحجرية واعملوا بعد ذلك فقال علي بن يلبق والحسنُ بن هارون : ما يحتاج إلى هذا التطويل فإن الحجبة لنا والدار في أيدينا وما نحتاج إلى أن نستعين في القبض عليه بأحد لأنه بمنزلة طائر في قفص وعملوا على معالجته . فاتفق أن سقط يلبق من الدابة فاعتل ولزم بيته ، فاتفق علي وابن مقفلة وحسناً لمؤنس خلع القاهر وهونا عليه أمره ، فأذن لهما فاتفق رأيهما على أن يظهرا أن أبا طاهر القرمطي دخل الكوفة وأن علي بن يلبق سائر لقتاله ومنعه من بغداد ، فإذا دخل لوداع القاهر بالله قبض عليه ، فأشاعا ذلك ، وكتب ابن مقلة رقعة إلى الخليفة يعرفه ذلك ويقول : إنني قد جهزت علي بن بلبق ليسير في هذا اليوم وأن يحضر العصر للخدمة ليأمره مولانا بما يراه فكتب القاهر في جوابه يشكره ويأذن في حضور ابن يلبق . فجاء جواب الخليفة وابن مقلة نائم فتركوه ولم يوصلوه إليه . فلما استيقظ كتب رقعة أخرى في المعنى ، فأنكر القاهر الحال .
فهو في هذا إذا وصلته رقعة طريف السبكري يذكر أن عنده نصيحة وأنه قد حضر في زي النساء لينهيها إليه ، فاجتمع به القاهر ، فذكر له جميع ما عزموا عليه وما هم فيه وما فعلوه من التدبير . فأنفذ القاهرُ إلى الساجية فأحضرهم متفرقين وكمنهم في الدهاليز والممرات والرواقات ، وحضر علي بن يلبق بعد العصر وفي رأسه نبيذ ومعه عدد يسير من أصحابه في طيار له . وأمر جماعة من أصحابه بالركوب إلى الأبواب وصعد من الطيار وطلب إذن القاهر فلم يأذن له فغضب وأساء أدبه وقال : لا بد من لقائه شاء أو أبى فأمر القاهر الساجية بردة ، فخرجوا إليه وشتموه أباه ، وشهروا سلاحهم وتقدموا إليه ، ففر أصحابه عنه وألقى نفسه من الطيار وعبر إلى الجانب الغربي واختفى من ساعته .
وبلغ ابن مقلة الخبر فاستتر ، واستتر الحسن بن هارون ، فلما سمع طريف الخبر ركب في أصحابه بالسلاح ، وحضر إلى دار الخليفة ووقف عند القاهر بالله . فعظم الأمر حينئذ على ابن يلبق وجماعتهم وأنكر يلبق ما جرى على ابنه ، وسب الساجية وركب إلى دار الخليفة في جميع القواد الذين بدار مؤنس ، فلم يصل إلى القاهر وقبض عليه وعلى أحمد بن زيرك صاحب الشرطة وحبسهما وحصل الجيش كلهم في الدار فأنفذ القاهر إليهم وطيب قلوبهم ووعدهم الزيادة ، وأنه يوقف هؤلاء على ذنوبهم ثم يطلقهم ويحسن إليهم فعادوا .

الصفحة 61