كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 23)
"""""" صفحة رقم 65 """"""
فلما كان في يوم الأربعاء لست خلون من جمادى الأولى اجتمع الساجية والحجرية عند سيما وتحالفوا على القبض على القاهر فقال سيما : قوموا بنا الساعة حتى نمضي العزم ، فإنه إن تأخر علم به واحترز وأهلكنا وبلغ ذلك الوزير فأرسل سلاماً الحاجب وعيسى الحاجب وعيسى الطبيب ليعلماه بذلك ، فوجداه نائماً قد شرب أكثر ليلته ، فلم يقدر على إعلامه بذلك ، وزحف الحجرية والساجية إلى دار الخلافة ، ووكل سيما بأبوابها من يحفظها ، وبقي هو على باب العامة وهاجموا الدار من سائر الأبواب . فلما سمع القاهر الأصوات والجلبة استيقظ وهو مخمور ، وطلب باباً يهرب منه ، فقيل له إن الأبواب جميعها مشحونة بالرجال فهرب إلى سطح حمام ودخل القوم فلم يجدوه ، فدلهم خادم صغير على موضعه فقصدوه . فإذا بيده سيف فألانوا له واجتهدوا به ، فلم ينزل وقال : من صعد إلي قتلته فأخذ بعضهم سهماً وقال : إن نزلت وإلا وضعته في نحرك فنزل حينئذ إليهم وساروا إلى الموضع الذي فيه طريف السبكري فأخرجوه وحبسوا القاهر مكانه واستدعوا في تلك الليلة أحمد بن أبي الحسين الصابي فكحل القاهر بعد أن أقيم بين يدي الراضي بالله ، وسلم عليه بالإمارة .
وقيل في سبب خلعه إنه لما تمكن من الخلافة تنقص الساجية والحجرية على مر الأيام حتى كان لا يقضي لأكابرهم حاجة ، ويلزمهم النوبة في داره ، ويؤخر أعطياتهم ويغلظ لمن يخاطبه منهم في أمر ، فاقبل بعضهم ينذر بعضاً ويتشاكون ، ثم كان يقول لسلامة حاجبه : أنت بين يدي كنز مال يمشي فأي شيء يتبين في مالك لو أعطيتني ألف ألف دينار ؟ فيحمل ذلك على الهزل ، وكان وزيره الخصيبي خائفاً لما يرى منه .
ثم إنه حفر في الدار نحو خمسين مطمورة وأحكم أبوابها ، فقيل إنها لمقدمي الساجية والحجرية ، فازدادوا نفوراً ، ثم إن جماعة من القرامطة أخذوا من فارس وأرسلوا إلى بغداد فحبسوا في تلك المطامير ، فتقدم القاهر سراً بفتح الأبواب عليهم والإحسان إليهم ، وعزم على أن يتقوى بهم بالقبض على مقدمي الساجية والحجرية . فأنكروا حال القرامطة وكونهم معه في داره وهو يحسن إليهم ، وذكروا ذلك لوزيره وحاجبه فقالا له ، فأخرجهم من دار الخلافة وسلمهم إلى محمد بن ياقوت وهو على شرطة بغداد فأنزلهم في دارٍ وأحسن إليهم . ثم صار القاهر يذم الساجية والحجرية في مجلسه ويظهر كراهتهم ، فلما تبينوا ذلك من وجهه وحركاته أظهروا أن لبعض قوادهم عرسا ، فاجتمعوا بحجبته وقرروا بينهم ما أرادوا وافترقوا . وأرسلوا إلى سابور خادم