كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 23)

"""""" صفحة رقم 69 """"""
إلى الموصل . وبقي سنين عند ناصر الدولة بن حمدان ، ثم انحدر إلى بغداد واستتر ، ثم ظهر عنه أنه يدعي الربوبية لنفسه . وقيل إنه اتبعه على ذلك الحسين ابن القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب الذي وزر للمقتدر بالله ، وأبو جعفر ، وأبو علي ابنا بسطام ، وإبراهيم ابن محمد بن أبي عون ، وابن شبيب ويزيد وأحمد بن محمد بن عبدوس . . كانوا يعتقدون ذلك فيه وظهر ذلك عنهم ، وطلبوا في وزارة بن مقلة للمقتدر فلم يوجدوا .
فلما كان في شوال سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة ظهر ابن الشلمغاني فقبض عليه الوزير ابن مقلة وسجنه وكبس داره فوجد فيها رقاعاً وكتباً ممن يدعي فيه الربوبية يخاطبونه بما لا تخاطب به البشر بعضهم بعضاً . وفيها خط الحسين بن القاسم ، فعرضت الخطوط عليه فأقر أنها خطوطهم وأنكر مذهبه ، وأظهر الإسلام وتبرأ مما يقال فيه . فأخذ ابن أبي عون وابن عبدوس فأحضرا معه عند الخليفة وأمرا بصفعه فامتنعا ، فلما أكرها صفعه ابن عبدوس ، ومد ابن أبي عون يده إلى لحيته ورأسه فارتعدت يده فقبل لحيته ورأسه وقال : إلهي وسيدي ورازقي فقال له الراضي : قد زعمت أنك لا تدعي الإلهية فما هذا ؟ فقال : و ما علي من قول ابن أبي عون ، والله يعلم أنني ما قلت له إني إله قط فقال ابن عبدوس : إنه لم يدع الإلهية وإنما ادعى أنه الباب إلى الإمام المنتظر مكان الحسين بن روح ثم أحضروا عدة مرات ومعهم القضاةُ والفقهاء وغيرهم ، وفي آخر الأمر أفتى الفقهاء بإباحة دمه فصلب هو وابن أبي عون ، وأحرقا بالنار في ذي القعدة . وكان الحسين بن القاسم بالرقة فأرسل الراضي بالله إليه فقتل في ذي القعدة ، وحمل رأسه إلى بغداد .
وكان مذهب الشلمغاني أنه إله الآلهة بحق الحق ، وأنه الأول القديم ، الظاهر الباطن ، الرازق التام ، المومأ إليه بكل معنى . وكان يقول : إن الله سبحانه وتعالى يحل في كل شيء على قدر ما يحتمل ، وإنه خلق الضد ليدل على المضدود ، فمن ذلك أنه حل في آدم عليه السلام لما خلقه ، وفي إبليس لما خلقه وكلاهما ضد لصاحبه لمضادته إياه في معناه ، وأن الدليل على الحق أفضل من الحق ، وأن الضد أقرب إلى الشيء من شبيبهه ، وأن الله عز وجل إذا حل في جسد ناسوتي أظهر من المقدرة

الصفحة 69