كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 23)

"""""" صفحة رقم 93 """"""
ونصب عليها العرادات والمجانيق وعلى دجلة ، وأنهض العامة وجند بعضهم ، فثاروا في بغداد وأحرقوا ونهبوا ، وأخذوا الناس ليلاً ونهاراً . وخرج المتقي لله وابن رائق إلى نهر ديالي في منتصف جمادى الآخرة ، ووافاهم أبو الحسين في الماء والبر ، واقتتل الناس فانهزم أهل بغداد ، واستولى أصحاب البريدي على دار الخلافة ودخلوا إليها من الماء ، وذلك لتسع بقين من جمادى الآخرة . وهرب المتقي وابنه الأمير أبو منصور في نحو عشرين فارساً ، ولحق بهما ابن رائق في جيشه ، وساروا جميعاً إلى الموصل .
وقتل أصحاب البريدي من وجدوه في دار الخليفة من الحاشية ، ونهبوا دور الحرم ، وكثر النهب في بغداد ليلاً ونهاراً ، وأخرجوا كورتكين من محبسه ، فأنفذه أبو الحسين إلى أخيه بواسط ، فكان آخر العهد به . ونزل أبو الحسين بدار مؤنس التي يسكنها ابن رائق ، وأقام أبو الحسين توزون على الشرطة الجانب الغربي فسكن الناس ، وأخذ أبو الحسين رهائن القواد فسيرهم إلى أخيه أبي عبد الله بواسط . قال : وعسف أهل العراق وظلمهم ظلماً لم يسمع بمثله قط ، ذكر ابن الأثير رحمه الله ذلك في تاريخه الكامل وأفرده بترجمة وهي ذكر ما فعله البريدي ببغداد ، ولما انتهى كلامه قال وإنما ذكرنا هذا الفصل ليعلم الظلمة أن أخبارهم تنقل وتبقى على وجه الدهر ، فربما تركوا الظلم لهذا إذا لم يتركوه لله سبحانه وتعالى وأظنه رحمه الله تعالى قال هذا لما علمه من حال الظلمة في عصره ، وأنهم يستقبحون الظلم . ويتركونه خشية أن ينقل عنهم . وإنما تركت أن أشرح ما قاله من ظلم البريدي خوفاً أن يسمعه ظلمة هذا العصر فيقتدون بأفعاله ويحملون الناس على مثاله ، فإن فيهم من يتحلى بالظلم ولا يتحاشى من فعله ويرد فرع كل مظلمة إلى أصله ويقول : قد فعله فلان وفلان وجرت عليه القاعدة في كل عصر وأوان ويبرز بالظلم بروز الليث من غابه ، وتصدر عنه الحوادث كصدور الغيث من سحابه ، ويرى أن ذلك فرصة يغتنمها وكعبة يستلمها ، ثم لا يقنعه ذلك إن يسمي المظالم بالحقوق الواجبة ، ويرى الملازمة عليها من السنن الراتبة . لا جرم أن الله تعالى يأخذه من مأمنه ، ويسلبه ما حوله من نعمة ومنه ، لأن ملك هذا العصر - خلد الله سلطانه وثبت أركانه ونصر جيوشه وأعوانه - ينكر المظالم إذا أنهيت إليه ويزيل اسمها ، ويمحو من

الصفحة 93