كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 24)

"""""" صفحة رقم 109 """"""
الأحد غرة جمادى الأولى . وكان حماد قد أسند ظهره إلى جبل بني واطيل ، وهو جبل منيع صعب المرتقى ، وبيمنه وبين عسكر باديس الوادي ، وهو واد عميق لا يطمع قال : يتعديته لشدة توعره وعمق قعره وصعوبة انحداره وكثرة مئه . فلما رأى باديس ذلك حمل بفرسه واقتحم الوادي . فتبعته العساكر وعدت الرجالة سباحة . فما كان إلا كرجع الطّرف حتى صاروا في الجهة الأخرى مع عساكر حماد . ثم اصطفوا واقتتلوا واشتد القتال وكثر القتل . فانكشف حماد وتفرق أصحابه عنه بعد قتال شديد . فولّى مهزماً لا يلوي على شيء ، وقتل حرمه بيده . فوقف باديس عليهن وهن قتيلات . وخلص حماد فيمن ثبت معه من عبيده إلى قلعة مغيلة في خمسمائة فرس . ولولا اشتغال الناس بالنهب لما فاتهم . وأصبح باديس فبعث في طلب حماد فسبقهم إلى القلعة . وأراد التحصن بها إن أدركته العساكر . ثم سار عنها إلى قلعته فوصل إليها لسبع مضين من جمادى الأولى ، واستعد للحصار . وسار باديس إلى المحمدية فوصل إليها لليلتين بقيتا من الشهر . فأتاه رسول عمه إبراهيم بالاعتذار ويذكّر باديس بما سلف لحماد من الخدمة في دولته ، وأنه هو الذي سد يغور المغرب ، وقام محامياً عن هذه الدولة كقيام الحجاج بن يوسف بدولة بني أمية ، واعترف بالخطأ . فرد عليه باديس رسله بجواب . واختلفت الرسائل إليه منهما طلبا للمدافعة . فأمر باديس بالبناء . وبذلك لرجاله الأموال وأعطى الألفي دينار والخمسمائة . فاشتد ذلك على حماد ، ورأى من رجاله ما أنكره ، وضعفت نفسه . وغلت الأسعار عنده فجعل يكذب على من عنده ، ويكتب كتباً بذكر فيها أن باديس قد عزم على الرحيل إلى إفريقية ، وأن كتبه تصل إليه في الصلح إلى غير ذلك مما يختلفه . وداوم باديس الحصار حتى مات .
ذكر وفاة باديس
كانت وفاته في ليلة الأربعاء آخر ذي القعدة سنة ست وأربعمائة وذلك أنه وصل إليه وهو في الحصار سليمان بن خلف بعساكر عظيمة ، جمهورهم تلكاتة وصنهاجة ، فضمن لباديس فتح القلعة وسائر بلاد المغرب . فلما كان يوم الثلاثاء لليلة بقيت من ذي القعدة ، أمر باديس بالعرض ، فعرضهم إلى الليل . ثم مات في نصف الليل . فخرج الخادم إلى حبيب بن أبي سعيد وباديس بن حمامة وأيوب بن يطّوفت ابن

الصفحة 109