كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 24)

"""""" صفحة رقم 110 """"""
عمه ، وكان حبيب من أكبر رجاله ، وبينه وبين باديس بن حمامة منافسه وعداوة . فلما أعلمه الخادم ، خرج حبيب مسرعاً إلى فازة باديس ، وخرج باديس مسرعاً إلى فازة حبيب . فاجتمعا في الطريق ، فقال كل منهما لصاحبه : بيننا عداوة ولا تبرح ، والأولى بنا في هذا الوقت الموافقة والاجتماع في تدبير هذا المهم . فإذا انقضى رجعنا إلى ما كنا عليه . فحضرا ومعهما أيوب بن يطوفت وقالا : " إن صاحب هذا الأمر بعيد منا والعدو قريب مشرف عليها . ومتى لم نقدم رأساُ نرجع في أمورنا إليه لم نأمن العدو على أنفسنا . ونحن نعلم أن ميل تلكاتة وصنهاجة المغرب إلى كرامت بن المنصور أخي باديس " . فاجتمع رأيهم على تولية كرامت ظاهراً . فإذا وصلوا موضع الأمن قدم المعز بن باديس ، وينقطع الخلاف ، وتصان بيوت الأموال والعدد . فأحضروا كرامت وبايعوه وكتموا الأمر .
وأصبحت العساكر للسلام على ما جرت به العادة . ولم يعلم بوفاته سوى من ذكرناه . فأرادوا صرف الناس بأن يقولوا : إن الأمير قد أخذ دواء . فبينا هم في ذلك أتى الخبر أن أهل مدينة المحمدية قد شاع عندهم موت باديس ، وأنهم أغلقوا أبواب المحمدية ، وطلعوا على سروها . وكأنما نودي في الناس بوفاته . فاضطرب لموته بنو مناد وجميع القواد . وخافا من الفرقة وشتات الكلمة فأظهروا ولاية كرامت وأمر بالكتب إلى سائل الأعمال باسمه ، ولم يذكر المعز بن باديس . فلما رأى عبيد باديس ومن كان على مثل رأيهم من الحشم والأجناد أنكروا ذلك إنكاراً شديداً . فخلا حبيب بن أبي سعيد بأكابرهم وقال : " إما رضيناه وقدمناه على أن يحوط الرجال ، ويحرس الخزائن والأموال ، حتى يسلم جميع ذلك إلى مستحقه وهو المعز " . ومشى بعضهم إلى بعض وتحالفوا على ذلك سراً .
ثم اتفق رأي الجميع على تقديم كرامت في الخروج إلى آشير ليحشد قبائل تلكاتة وصنهاجة . فإذا اجتمعوا رجع بهم إلى المحمدية فيقطن بها ، وترحل العساكر بتابوت باديس حتى يسلموه إلى ولده المعز . ودفعوا إلى كرامت مائة ألف دينار وخزانة سلاح وأمتعة . وتوجه إلى مدينة آشير يوم الأحد لأربع خلون من ذي الحجة سنة ست وأربعمائة . وكان من خبره ما نذكره إن شاء الله في أيام المعز .
وكانت مدة ولاية باديس عشرين سنة وتسعة أشهر إلا أربعة أيام . وعمره اثنان وثلاثون سنة وثمانية أشهر وأيام .

الصفحة 110