كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 24)

"""""" صفحة رقم 123 """"""
حصار المهدية . فلما صح ذلك عنده أرسل إلى بني رياح فأحضرهم إليه . وقال لهم : أنتم تعلمون أن المهدية حصن منيع أكثرها في البحر لا يقاتل من البر إلا من أربعة أبرجة يحميها أربعون رجلاً . وإنما جمع الناصر هذه العساكر إليكم وإلى بلادكم . فقال له أمراء العرب : إن الذي قاله السلطان حق ونحب منك المعونة بالعدة . فقال : على العدة والرّفادة . وأمر لهم بعشرة آلاف دينار ، لكل أمير منهم ألف دينار ، وألف درع ، وألف رمح ، وألف سيف هندي . فخرجت الأمراء من عنده ، وجمعوا رجالهم ، وتحالفوا على لقاء الناصر . وأنفذوا شيخين سراً إلى بني هلال الذين صاروا مع الناصر فقالا لهم : كيف وقعتم في هذا الأمر وأردتم تلاف ملككم ؟ هذا الناصر قد سمعتم غدر جده حماد لباديس ، وغدر بنيه بعضهم بعضاً ، وقد اتفق مع زناتة ، فإذا وطيء بلدنا بصنهاجة وزناتة قاصداً تميم بن المعز - وتميم في حصن منيع بالمهدية لا يقدر عليه - فعندها يملك بلاد إفريقية ويخرجنا وإياكم عنها . فقاللهما مشايخ بني هلال : والله ، لقد صدقتم . فإذا التقينا فقاتلونا فإنا ننهزم ونرجع عليهم . فإذا ملكنا رقابهم كان لنا من الغنيمة الثلث ولكم الثلثان . فقال الشيخان : رضينا .
وأرسل المعز بن زيري الزناتي إلى من مع الناصر من زناتة بنحو ذلك ، فوعدوه أن ينهزموا .
فحينئذ رحلت رياح وزناتة جميعاً . وسار إليهم الناصر بصنهاجة وزناتة وبني هلال . فالتقوا بموضع يسمى سبية . فلما ترائى الجمعان حملت بنو رياح على بين هلال . فانهزم بنو هلال كما وقع الاتفاق ، واظهروا الغدر من وراء العسكر . فانهزم عند ذلك الناصر ابن علناس ، وسلم في عشرة أفراس .
فكان جملة من قتل في هذه الوقعة من صنهاجة وزناتة أربعة وعشرون ألفاً . وصارت الغنائم كلها للعرب ، وبهذه الوقعة تم لهم ملك البلاد . فإن أكثرهم عند دخوله كانوا رجالة ، والفرسان منهم في أضيق حال . فتقاسموا هذه الغنائم على ما قرروه بينهم إلا الطبول والبوقات والفازات بأبغالها ، فإنهم حملوها إلى تميم ، فردها ولم يقبلها ، فعزّ ذلك على العرب وقالوا : نحن خدمك بين يديك فقال : ما فعلت

الصفحة 123