كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 24)
"""""" صفحة رقم 124 """"""
هذا انتقاصاً بكم وإنما المانع منه أنني لا أرضى أخذ سلب ابن عمي . وظهر عليه من الحزن بقوة العرب ما لم يوصف .
ذكر بناء مدينة بجاية والسبب فيه
قال : ولما كانت هذه الواقعة بين بني حماد والعرب ، وبلغ الناصر ما نال ابن عمه تميم من الألم والحزن ، وكان وزيره أبو بكر بن أبي الفتوح محباً في دولة تميم ، فقال للناصر : يا مولاي ، ألم أشر عليك ألا تقصد ابن عمك ، وأن تتفقا على العرب . فلو انفقتما لأخرجتما العرب . فصدقه الناصر ورجع إلى قوله ، وقال له : أصلح ذات بيننا . فأرسل الوزير رسولاً من عنده إلى تميم يعتذر ويرغب في الإصلاح . فقبل تميم قوله .
وأراد أن يرسل رسولاً إلى الناصر ، فاستشار أصحابه . فاتفقوا على إرسال محمد بن البعبع ، وقالوا : هذا رجل غريب ، قد شمله إحسانك وبرك ، وقد اقتني من إنعامك الأموال والأملاك ، وهو لا يعرف صنهاجة . فما يصلح لهذا الأمر سواه . فأحضر تميم محمد بن البعبع وأمر له بعبيد وخيل وكسا ودنانير . وأوصاه وأرسله وأجاز الرسول الواصل . وخرجا معاً إلى أن وصلا إلى بجاية ، وهي حينئذ منزل ينزله رعية البربر . فنظرها بان البعبع وتأملها ، وقال في نفسه : هذا المكان يصلح مدينة ومرسى وصناعة للسفن . وتمادى إلى أن وصل إلى القلعة ودخل على الناصر ، وقد علم ابن البعبع أن الوزير محب في دولة تميم . فلما انبسط ودفع المكاتبة ، قال للناصر : يا مولاي ، معي وصية إليك فأحب أن يخلي المجلس . فقال الناصر : ليس هنا إلا الوزير ، وأنا لا أخفي عنه أمراً . فقال : بهذا أمرني سيدنا تميم . فقال الناصر لوزيره : انصرف . فلما خرج ، قال محمد للناصر : يا مولاي ، إن الوزير مخامر عليك معتمين ، وهو لا يخفى عنه من أمورك شيئاً ، وتميم مشغول مع عبيده النصارى . قد استب بهم واطرح صنهاجة وتلكاتة وجميع القبائل . فو الله ، لو وصلت بعسكر إلى المهدية ما بتّ إلا فيها لبغض الأجناد والرعية في تميم ، وأنا أشير عليك بما تملك به المهدية وغيرها . وقد عبرت الآن ببجاية فرأيت فيها مرافق من صناعة وميناء وجميع ما يصلح لبناء مدينة . فاجعلها لك مدينة ، يكون فيها دار ملكك وتقرب من جميع بلاد إفريقية . وأنا أنتقل إليك باهلي وولدي ، وأترك مالي بالمهدية من الرياع ، وأخدمك حق الخدمة . فأجابه الناصر إلى ذلك واستراب من وزيره .