كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 25)

"""""" صفحة رقم 106 """"""
من دجلة والبطيحة ونواحيها ليضيفها إلى عسكره ، إذ كان ما عنده يقصر عن الجيش لكثرته ، وأحصى ما في الشذا والسميريات وأنواع السفن ، فكانوا زهاء عشرة آلاف ملاح ممن يجري عليه الرزق من بيت المال مشاهرة ، سوى سفن أهل العسكر التي تحمل الميرة ويركبها الناس في حوائجهم ، وسوى ما لكل قائد من السميريات والحربيات والزواريق ، فلما تكاملت السفن تقدم إلى ابنه أبي العباس وقواده بقصد المدينة الشرقية من جهاتها ، فسير ابنه إلى ناحية دار المهلبي أسفل العسكر ، وكان قد شحنها بالرجال والمقاتلة ، وأمر جميع أصحابه بقصد دار صاحب الزنج وإحراقها ، فإن عجزوا عنها اجتمعوا على دار المهلبي ، وسار هو في الشذا وهي مائة وخمسون قطعة فيها أنجاد غلمانه ، وانتخب من الفرسان والرجالة عشرة آلاف وأمرهم أن يسيروا على جانبي النهر إذا سار ، وأن يقفوا معه إذا وقف ، وبكر يوم الثلاثاء لثمان خلون من ذي القعدة سنة تسع وستين ومائتين ، وكانوا قد قدموا إليهم يوم الاثنين وواقعوهم ، وتقدمت كل طائفة إلى الجهة التي أمرهم بها ، فلقيهم الزنج واشتدت الحرب وكثر القتل والجراح في الفريقين ، ثم نصر الله عز وجل أصحاب الموفق بانهزام الزنج ، وقتل منهم خلق كثير وأسر منهم أنجادهم وشجعانهم خلق كثير فأمر الموفق بضرب أعناق الأسرى في المعركة ، وقصد بجمعه الدار التي يسكنها صاحب الزنج ، وكان قد لجأ إليها وجمع أبطال أصحابه للمدافعة عنها فلم يعنوا شيئاً فانهزموا عنها وأسلموها ، ودخلها أصحاب الموفق ، وفيها بقايا ما كان سلم من مال صاحب الزنج وولده وأثاثه فنهب ذلك أجمع وخذوا حرمه وأولاده وكانوا عشرين ما بين صبي وصبية ، وهرب صاحب الزنج نحو دار المهلبي لا يلوي على أهل ولا مال ، وأحرقت داره وأتى الموفق بأهل صاحب الزنج وولده فسيرهم إلى بغداد ، وكان أصحاب أبي العباس قد قصدوا دار المهلبي ، وقد لجأ إليها خلق كثير من المنهزمين فغلبوهم عليها واشتغلوا بنهبها وأخذوا ما فيها من حرم المسلمين وأولادهم وجعل من ظفر منهم بشيء حمله إلى سفينته ، فلما رآهم الزنج كذلك رجعوا إليهم فقتلوا منهم مقتلة عظيمة ، وكان جماعة من غلمان الموفق قد قصدوا دار صاحب الزنج ، فتشاغلوا بحمل الغنائم إلى السفن أيضاً ، فأطمع ذلك الزنج فيهم فكشفوهم واتبعوا آثارهم ، وثبت جماعة من أبطال الموفق فردوا الزنج حتى تراجع الناس إلى مواقفهم ، ودامت الحرب إلى العصر فأمر الموفق غلمانه بصدق الحملة عليهم ففعلوا ، فانهزم صاحب

الصفحة 106