كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 25)

"""""" صفحة رقم 108 """"""
ثم أوقع بهم فانهزموا فما قصدوا جهة إلا خرج عليهم من يقاتلهم فيها ، فقتلوا لم يسلم منهم إلا الشريد ، وأخذوا من أسلحتهم ما أثقلهم حمله ، وقطع القنطرتين ، ولم يزل الموفق يقاتلهم على سكرهم حتى تهيأ له فيه ما أحب وحرقه . فلما فرغ منه عزم على لقاء صاحب الزنج ، فأمر بإصلاح السفن والآلات للماء والطين ، وتقدم إلى ابنه أبي العباس أن يأتي الزنج من ناحية دار المهلبي ، وفرق العساكر من جميع جهاته ، وأضاف المستأمنة إلى شبل ، وأمر الناس ألا يزحفوا حتى يحرك علماً أسود كان نصبه على دار الكرنبائي ، وحتى ينفخ في بوق بعيد الصوت ، وكان عبوره يوم الاثنين لثلاث بقين من المحرم ، فعجل بعض الناس وزحف نحوهم ، فلقيه الزنج فقتلوا منهم وردوهم إلى مواقفهم ، ولم يعلم سائر العسكر بذلك لكثرتهم وبعد المسافة فيما بين بعضهم وبعض ، وأمر الموفق بتحريك العلم الأسود والنفخ في البوق ، فزحف الناس في البر والماء يتلو بعضهم بعضا ، فلقيهم الزنج وقد حشدوا واجترأوا بما تهيأ لهم ، فلقيهم الجيش بنيات صادقة وبصائر نافذة ، واشتد القتال وقتل من الفريقين جمع كثير ، فانهزم أصحاب صاحب الزنج وتبعهم أصحاب الموفق ، فقتل منهم ما لا يحصى وغرق منهم مثل ذلك ، وحوى الموفق المدينة بأسرها ، فغنم أصحابه ما فيها واستنفذوا من كان بقي من الأسارى من الرجال والنساء والصبيان ، وظفروا بجميع عيال علي بن أبان المهلبي وبأخويه الخليل ومحمد وأولادهما ، فسيروا إلى الموفقية ، ومضى صاحب الزنج في أصحابه ومعه ابنه انكلاى وسليمان بن جامع وقواد من الزنج وغيرهم هرابا ، عامدين إلى موضع كان قد أعده ملجأ إذا غلب على مدينته ، وذلك المكان على النهر المعروف بالسفياني ، وكان أصحاب الموفق قد اشتغلوا بالنهب والإحراق ، وتقدم أصحاب الموفق في الشذا نحو نهر السفياني ، وانتهى الموفق ومن معه إلى عسكر صاحب الزنج وهم منهزمون ، واتبعهم لؤلؤ في أصحابه حتى عبروا النهر فاقتحم لؤلؤ النهر بفرسه واتبعه أصحابه حتى انتهى إلى النهر المعروف بالقريري فوصل إليه لؤلؤ وأصحابه ، فأوقعوا به وبمن معه فهزموهم حتى عبروا نهر المساوان ولؤلؤ في أثرهم ، فاعتصموا بجبل وراءه ، وانفرد لؤلؤ وأصحابه باتباعهم إلى هذا المكان إلى آخر النهار ، فأمر الموفق بالانصراف فعاد مشكوراً محمود الفعل ، فحمله الموفق معه وجدد له البر والكرامة ورفع منزلته ، ورجع الموفق فلم ير أحداً من أصحابه بمدينة الزنج ، وكانوا قد انصرفوا إلى الموفقية بما حووا في سفنهم ،

الصفحة 108