كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 25)
"""""" صفحة رقم 109 """"""
فرجع الموفق إلى مدينته واستبشر الناس بالفتح ، وغضب الموفق على أصحابه لمخالفتهم أمره وتركهم الوقوف حيث أمرهم ، فجمعهم ووبخهم على ذلك وأغلظ لهم ، فاعتذروا بما ظنوه من انصرافه ، وأنهم لم يعلموا بمسيره ولو علموا ذلك لأسرعوا نحوه ، ثم تعاقدوا وتحالفوا على ألا ينصرف منهم أحداً إذا توجهوا نحو صاحب الزنج حتى يظفروا ، فإن أعياهم أقاموا حتى يحكم الله بينهم وبينه ، وسألوا الموفق أن يرد السفن التي يعبرون فيها إلى صاحب الزنج ، لينقطع الناس عن الرجوع فشكرهم وأثنى عليهم وأمرهم بالتأهب . وأقام الموفق بعد ذلك إلى يوم الجمعة يصلح ما يحتاج الناس إليه ، وأمر الناس بالمسير إلى حرب الزنج بكرة السبت ، وطاف عليهم بنفسه يعرف كل قائد مركزه والمكان الذي يقصده . وغدا الموفق يوم السبت لليلتين خلتا من صفر سنة سبعين وعبر الناس ، وأمر برد السفن فردت ، وسار يقدمهم إلى المكان الذي قدر أن يلقاهم فيه ، وكان صاحب الزنج وأصحابه قد رجعوا إلى مدينتهم بعد انصراف الجيش عنهم ، وأملوا أن تتطاول بهم الأيام وتندفع عنهم المناجزة ، فوجد الموفق المتسرعين من غلمانه من الفرسان والرجالة قد سبقوا الجيش ، فأوقعوا بصاحب الزنج وأصحابه وهزموهم بها ، وتفرقوا لايلوى بعضهم على بعض ، وتبعهم أصحاب الموفق يقتلون ويأسرون من لحقوا منهم ، فانقطع صاحب الزنج في جماعة من حماة أصحابه منهم المهلبي ، وفارقه ابنه انكلاى وسليمان بن جامع ، فقصد كل فريق منهم جمعاً كثيفاً من الجيش ، وكان أبو العباس قد تقدم فلقي المنهزمين في الموضع المعروف بعسكر ريحان ، فوضع أصحابه فيهم السلاح ، ولقيهم طائفة أخرى فأوقعوا بهم وقتلوا منهم جماعة ، وأسروا سليمان بن جامع فأتوا به الموفق من غير عهد ولا عقد ، فاستبشر الناس بأسره ، وأسر بعده إبراهيم بن جعفر الهمداني - وكان أحد أمراء جيوشه - فأمر الموفق بالاستيثاق منهما ، ثم إن الزنج الذين انفردوا مع صاحبهم حملوا على الناس حملة أزالوهم عن مواقفهم ففتروا ، فجد الموفق في طلبهم وأمعن ، فتبعه أصحابه وانتهى إلى آخر نهر أبي الخصيب ، فلقيه البشير بقتل صاحب الزنج ، وأتاه بشير آخر ومعه كف ذكر أنها كفه ، ثم أتاه غلام من أصحاب لؤلؤ يركض ومعه رأس صاحب الزنج ، فعرض الموفق الرأس على جماعة من المستأمنة فعرفوه ، فخر لله ساجداً وسجد معه الناس ، وأمر برفع الرأس على قناة فعرفه الناس .
قال : ولما أحيط بصاحب الزنج كان معه المهلبي وحده ، فولى عنه هارباً وقصد نهر فألقى نفسه فيه ، وكان انكلاى قد سار نحو الديناري ورجع الموفق والرأس بين