كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 25)

"""""" صفحة رقم 110 """"""
يديه وسليمان بن جامع ، فأتى مدينته وأتاه من الزنج عالم عظيم يطلبون الأمان فأمنهم ، وانتهى إليه خبر انكلاى والمهلبي ومكانهما ومن معهما من مقدمي الزنج ، فبث أصحابه في طلبهم وأمرهم بالتضييق عليهم ، فلما أيقنوا ألا ملجأ أعطوا بأيديهم فظفر بهم وبمن معهم وكانوا زهاء خمسة آلاف ، فأمر بالاستيثاق من المهلبي وانكلاى ، وكان ممن هرب قرطاس الرومي الذي رمى الموفق بالسهم في صدره ، فانتهى إلى رامهرمز فعرفه رجل فدل عليه عامل البلد ، فأخذه وسيره إلى الموفق فقتله ابنه أبو العباس ، ثم استأمن درمويه الزنجي إلى أبي أحمد الموفق ، وكان درمويه هذا من أنجاد الزنج وأبطالهم ، وكان صاحب الزنج قد وجهه قبل هلاكه بمدة إلى موضع كثير الأدغال والشجر والآجام متصل بالبطيحة ، وكان هو ومن معه يقطعون الطريق هناك على السابلة في زواريق خفاف ، فإذا طلبوا دخلوا الأنهار الضيقة واعتصموا بالأدغال ، وإذا تعذر عليهم مسلك لضيقه حملوا سفنهم ولجأوا إلى الأمكنة الوسيعة ، ويغيرون في قرى البطيحة ويقطعون الطريق ، فظفروا بجماعة من عسكر الموفق معهم نساء قد عادوا إلى منازلهم ، فقتلوا الرجال وأخذوا النساء ، فسألهن درمويه عن الخبر فأخبرنه بقتل صاحب الزنج وأسر أصحابه وقواده ، وأن كثيراً منهم قد صار إلى الموفق بالأمان فأحسن إليهم ، فسقط في يده ولم ير لنفسه ملجأ إلا طلب الأمان والصفح عن جرمه ، فأرسل إلى أبي أحمد الموفق يطلب الأمان فأجابه إلى ذلك وأمنه ، فخرج هو ومن معه حتى وافى عسكر الموفق فأحسن إليهم وأمنهم ، فلما اطمأن درمويه أظهر ما كان في يده من الأموال والأمتعة ، وردها إلى أربابها رداً ظاهراً فعلم بذلك حسن نيته فزاد الموفق في الإحسان إليه ، وأمر يكتب إلى أمصار المسلمين بالنداء في أهل النواحي التي دخلها الزنج بالرجوع إلى أوطانهم ، فسارع الناس إلى ذلك .
وأقام الموفق بالمدينة الموفقية ليأمن الناس بمقامه ، وولى البصرة والأبلة وكور دجلة رجلاً من قواده قد حمد مذهبه وعلم حسن سيرته يقال له العباس بن تركس ، وأمره بالمقام بالبصرة ، وولى قضاء البصرة والأبلة وكور دجلة محمد بن حماد ، وقدم ابنه أبا العباس إلى بغداد ومعه رأس صاحب الزنج ليراه الناس ، فبلغها لأثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى من هذه السنة .
قال : وكان خروج صاحب الزنج يوم الأربعاء لأربع بقين من شهر رمضان سنة خمس وخمسين ومائتين ، وقتل يوم السبت لليلتين خلتا من صفر سنة سبعين ومائتين ، فكانت أيامه أربع عشرة سنة وأربعة أشهر وستة أيام . انقضت أخبار صاحب الزنج فلنذكر أخبار القرامطة .

الصفحة 110