كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 25)

"""""" صفحة رقم 111 """"""
ذكر أخبار القرامطة وابتداء أمرهم وما كان من أخبارهم وما استولوا عليه من البلاد وغير ذلك من أخبارهم
والقرامطة منسوبون إلى قرمط ، وقد اختلف فيه : فمن الناس من يقول إنه حمدان بن الأشعث ، وأنه إنما سمي قرمطاً لأنه كان رجلاً قصيراً قصير الرجلين متقارب الخطو فسمي بذلك ، وقيل قُرْمط : ثور كان لحمدان بن الأشعث هذا ، وأنه كان يحمل غلات السواد على أثوار له بسواد الكوفة ، والله تعالى أعلم .
قال ابن الأثير في تاريخه الكامل في حوادث سنة ثمان وسبعين ومائتين : وفيها تحرك بسواد الكوفة قوم يعرفون بالقرامطة ، وكان ابتداء أمرهم : أن رجلاً يقال له حمدان يظهر الدين والزهد والتقشف ، ويأكل من كبسه ، وأقام على ذلك مدة ، فكان إذا جالسه رجل ذاكره الدين وزهده في الدنيا ، وأعلمه أن الصلاة المفروضة على الناس خمسون صلاة في كل يوم ، حتى فشا ذلك بموضعه ، ثم أعلمهم أنه يدعو إلى إمام من أهل بيت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فاستجاب له جمع كثير وكان يقعد إلى بقال هناك ، فجاء رجل إلى البقال يطلب منه من يحفظ له ما صرم من نخله ، فدله عليه وقال لعله يجيب ، فكلموه في ذلك فاتفق معه على أجرة معلومة ، فكان يحفظ لهم ويصلي أكثر نهاره ، ويصوم ويأخذ عند إفطاره من البقال رطل تمر ، يفطر عليه ويجمع نواه ويعطيه للبقال ، فلما حمل التجار تمرهم جلسوا عند البقال وحاسبوه وأعطوه أجرته ، وحاسب هو البقال على ما أخذ من التمر وحط ثمن النوى فضربوه ، وقالوا ألم يكفك أن تأكل تمرنا حتى تبيع نواه ؟ فأوقفهم البقال على الخبر فاعتذروا واستحلوا منه ، وازداد بذلك عند أهل القرية ، ودعا أهل تلك الناحية إلى مذهبه فأجابوه ، وكان يأخذ من الرجل إذا أجابه ديناراً واحداً ، ويزعم أنه للإمام ، واتخذ منهم اثني عشر نقيباً أمرهم أن يدعو الناس إلى مذهبه وقال : أنتم كحواري عيسى بن مريم ، فاشتعل أهل تلك الناحية عن أعمالهم ، وكان للهيصم في تلك الناحية ضياع ، فرأى تقصير الأكارة في عمارتها ، فسأل عن ذلك فقيل له خبر الرجل فحسبه ، وحلف ليقتلنه لما اطلع على مذهبه ، وأغلق عليه الباب ليقتله في غد ، وجعل المفتاح تحت رأسه ، فسمع بعض جواريه خبره فرقت له ، فسرقت المفتاح وأخرجته وأعادت المفتاح إلى موضعه ، فلما أصبح الهيصم فتح الباب ليقتله فلم يجده ، فشاع ذلك في الناس فافتتنوا

الصفحة 111