كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 25)
"""""" صفحة رقم 113 """"""
وابتدأ يدعوه فقال له حمدان : يا هذا نشدتك الله إلا دفعت إلي من هذا العلم الذي معك وأنقذتني ينقذك الله قال له : لا يجوز ذلك أو آخذ عليك عهداً وميثاقاً أخذه الله تعالى على النبيين والمرسلين وألقى عليك ما ينفعك ، قال : فما زال حمدان يضرع إليه حتى جلسا في بعض الطريق وأخذ عليه العهد ، ثم قال له : ما اسمك ؟ قال : قرمط ، ثم قال له قرمط : قم معي إلى منزلي حتى تجلس فيه ، فإن لي إخواناً أصير بهم إليك لتأخذ عليهم العهد للمهدي ، فصار معه إلى منزله ، فأخذ على الناس العهد هناك ، وأقام في منزل حمدان وأعجبه أمره وعظمه وكرمه ، وكان على غاية ما يكون من الخشوع ، صائماً نهاره قائماً ليله ، وكان المغبوط من أخذه إلى منزله ليلة ، وكان ربما خاط لهم الثياب وتكسب بذلك ، وكانوا يتبركون به وبخياطته . قال : وأدرك التمر فاحتاج أبو عبد الله محمد بن عمر بن شهاب العدوى إلى عمل تمره ، وكان من وجوه أهل الكوفة ومن أهل العلم والفضل والتوحيد ، فوصف له هذا الرجل فنصبه لحفظ تمره والقيام في حظيرته ، فأحسن حفظها واحتاط في أداء الأمانة ، وظهر منه من التشديد في ذلك ما خرج به عن أحوال الناس في تساهلهم في كثير من الأمور ، وذلك في سنة أربع وستين ومائتين ، فاستحكمت ثقة الناس به ، وثقته بحمدان قرمط وسكونه إليه ، فأظهر له أمره وكشف له الغطاء . قال : وكل ما كان هذا الداعية يفعله من الثقة والأمانة وإظهار الخشوع والنسك إنما كان حيلة ومكراً وخديعة وغشاً ، قال : فلما حضرت هذا الطاغية الوفاة جعل مقامه حمدان بن الأشعث قرمطاً ، فأخذ على أكثر أهل السواد وكان ذكياً خبيثاً ، قال : وكان ممن أجابه من أصحابه الذين صار لهم ذكر زكرويه بن مهرويه السلماني وجلندي الرازي ، وعكرمة البابلي ، وإسحاق السوراني ، وعطيف النيلي وغيرهم ، وبث دعاته في السواد يأخذون على الناس ، وكان أكبر دعاته عبدان متزوجاً أخت قرمط أو قرمط متزوجاً أخته ، وكان عبدان رجلا ذكياً خفيفاً فطناً خبيثاً ، خارجاً عن طبقة نظرائه من أهل السواد ذا فهم وخبث ، فكان يعمل عند نفسه على حد قد نصب له ، ولا يرى أنه يجاوزه إلى غيره من خلع الإسلام ، ولا يظهر غير التشيع والعلم ويدعو إلى الإمام من آل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، محمد بن إسماعيل بن جعفر ، وكان أحد من تبع عبدان زكرويه بن مهرويه ، وكان زكرويه شاباً فيه ذكاء وفطنة ، وكان من قرية بسواد الكوفة يقال لها المنسانية تلاصق قرية الصوان ، وهاتان القريتان على نهرهد نصبه عبدان على إقليم نهرهد وطسوج السالحين وإقليم نهر يوسف داعية ، ومن قبله جماعة دعاة متفرقون في عمله ، يدور كل واحد منهم في عمله في كل شهر مرة ، وكل ذلك بسواد الكوفة ،