كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 25)
"""""" صفحة رقم 115 """"""
كنتم صادقين " ، وزعم أن ذلك بلاغ من يريد الإيمان والدخول في السابقين السابقين - أولئك المقربون ، وصنع لهم طعاماً طيباً حلواً لذيذاً وجعله على قدر البنادق ، يطعم كل من أدى إليه سبعة دنانير واحدة منها ، وزعم أنه طعام أهل الجنة نزل إلى الإمام ، واتخذ ذلك كالخواتيم ينقل إلى الداعي منها مائة بلغة ويطالبه بسبعمائة دينار ، فلما توطأ له هذا الأمر فرض عليهم أخماس ما يملكون وما يتكسبون ، وتلا عليهم قوله تعالى " واعلموا إنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه . . . . الآية " فقوموا جميع ما يملكونه من ثوب وغيره وأدوا خمسة إليه ، حتى كانت المرأة تخرج خمس ما تغزل ، والرجل خمس ما يكسب ، فلما تم ذلك له واستقر فرض عليهم الألفة ، وهو أن يجمعوا أموالهم في موضع واحد وأن يكونوا في ذلك أسوة واحدة ، لا يفضل أحد منهم صاحبه وأخاه في ملك يملكه ، وتلا عليهم قوله تعالى " واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً " ، وتلا عليهم قوله تعالى " لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم " ، وعرفهم أنه لا حاجة بهم إلى أموال تكون معهم ، لأن الأرض بأسرها ستكون لهم دون غيرهم ، وقال لهم : هذه محنتكم التي امتحنتم بها ليعلم كيف تعلمون ، وطالبهم بشراء السلاح وإعداده ، وذلك كله في سنة ست وسبعين ومائتين . وأقام الدعاة في كل قرية رجلاً مختاراً من ثقاتها ، يجمع عنده أموال أهل قريته من بقر وغنم وحلي ومتاع وغيره ، فكان يكسو عاريهم وينفق عليهم ما يكفيهم ولا يبقى فقيراً بينهم ولا محتاجاً ضعيفاً ، وأخذ كل رجل منهم بالانكماش في صناعته والتكسب بجهده ، ليكون له الفضل في رتبته ، وكانت المرأة تجمع إليه كسبها من مغزلها ، والصبي أجر نطارته الطير ، فلم يملك أحد منهم إلا سيف وسلاحه ، فلما استقام له ذلك كله وصبوا إليه وعملوا به ، أمر الدعاة أن يجمعوا النساء ليلة معروفة ويختلطن بالرجال ، وقال : إن ذلك من صحة الود والألفة بينهم فربما بذل الرجل لأخيه امرأته متى أحب فلما تمكن من أمورهم ووثق بطاعتهم وتبين مقدار عقولهم أخذ في تدريجهم إلى الضلالة ، وأتاهم بحجج من مذهب الثنوية فسلكوا معه في ذلك ، حتى خلعهم من الشريعة ونقض عليهم ما كان يأمرهم به في مبدأ أمرهم من