كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 25)
"""""" صفحة رقم 116 """"""
الخشوع والورع والتقي ، وأباح لهم الأموال والفروج والغني عن الصوم والصلاة والفرائض ، وأن ذلك كله موضوع عنهم وأن أموال المخالفين ودماءهم حلال لهم ، وأن معرفة صاحب الحق الذي يدعو إليه يغني عن كل شيء ، ولا يخاف معه إثم ولا عذاب .
ذكر دعوة القرامطة وعهدهم الذين كانوا يأخذونه على من يغرونه ، ويستميلونه إلى مذهبهم ، وكيف ينقلونه من مرتبة إلى أخرى ، حتى ينسلخ من الدين ويخلع ربقة الإسلام من عنقه
قال الشريف أبو الحسين محمد بن علي : أول الدعوة بعد عمل الداعي بالرزق وقوة إجابة المدعو من سائر الأمم أن يسلك به في السؤال عن المشكلات ، مسلك الملحدين والشكاك ، ويكثر سؤال عن تأويل الآيات ومعاني الأمور الشرعيات ، وشيء من الطبائع ووجوه القول في الأمور التي تكثر فيها الشبه ، ولا يصل إليها إلا العالم المبرز ومن جرى مجراه ، فإن اتفق له مجيب عارف ممارس جدل سلم إليه الداعي وعظمه وكرمه وحشمه وصوب قوله ، وداخله بما يحب من علم شريعته التي يومي إليها ، وكل ذلك ليقطع كلامه لئلا يتبين ما هو عليه من الحيلة والمكر ، وما يدخل به على الناس من أمر الدعوة ، وإن اتفق مغرور مغفل غليظ الحواس ألقى إليه ما يشغل به قلبه ، مثل قوله : إن الدين لمكتوم وإن الأكثر له لمنكرون وبه جاهلون ، ولو علمت هذه الأمة ما خص الله به الأئمة من العلم لم يختلف ، ويوهم من سمع كلامه أن عنده علوماً خفية لم تصل إليهم ، فتطلع نفس المستمع إلى معرفة بيان ما قال ، وربما وصل مع من يجالسه - واحداً كان أو جماعة - بشيء من معاني القرآن ، وذكر شرائع الدين وتأويل الآيات وتنزيلها وكلام لا يشك المسلم العارف في حقيقته ، ويوهم المستمعين منه أنه قد ظفر بعلم ، لو صادف له مستمعاً لكان ناجياً منتفعاً ، وقرر عندهم أن الآفة التي نزلت بالأمة وحيرت في الديانة وشتت الكلمة وأورثت الأهواء المضلة ذهاب الناس عن أئمة نصبوا لهم ، وأقيموا حافظين لشرائعهم يؤدونها على حقائقها ، ويحفظون عليهم معانيها وبواطنها ، وأنهم لما عدلوا عنهم ونظروا من تلقاء عقولهم ، واتباعهم لما حسن في رأيهم وسمعوه من أسلافهم وغلاتهم - اتباع الملوك في طلب الدنيا - وحاملي الغنى ومسمعي الإثم وأجناد الظلمة وأعوان الفسقة الطالبين العاجلة ، والمجتهدين في الرياسة على الضعفاء ، ومن يكايد