كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 25)

"""""" صفحة رقم 119 """"""
أنفسكم ؟ التي من جهلها كان حرياً بأن لا يعلم غيرها ، أو ليس الله تعالى يقول " ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا " وأمثال هذه الأمور مما يسألون عنه ويعرضون به من تأويل القرآن وتفسير ألفاظ كثيرة من ألفاظ السنن والأحكام ، والجواب معان يفسر بها وضع الشرائع السمعيات فيما رفع منها وما نصب ، وكثير من أبواب التعديل والتجويز مما يأتي في المقالة الثانية إن شاء الله تعالى ، فإن أوجب ذلك للمسئول عنه شكا وحيرة واضطراباً وتعلقت نفسه بالجواب عنه ، وتشوق إلى معرقته فسألهم عنه عاملوه بمثل ما يفعل به صاحب الفأل والزراق والقصاص على العوام عند امتلاء صدورهم بما يفخرون به أولاً عندهم من أحوال قد عرفوها من أحوالهم ، فهم إلى معرفتها أكثر الحاجة وعلقوا بمعرفتها أنفسهم ، وعند بلوغ القصاص إلى ما يبلغون إليه يقطعون الحديث ، لتعلق قلوب المستمعين بما يكون بعده ، وهذه صفة الدعاة وحالهم ، يقدمون على الكلام والمسائل ثم يقطعون أنفس المغرورين ، بما قد تأخر من القول الذي قدموا له مقدمة ، فإذا خاطبهم على علم معرفته تأويل البيان قالوا له : لا تعجل ، فإن دين الله أجل وأكبر من أن يبذل لغير أهله ، ويجعل عرضاً للعب وما جانسه ، ويقولون : قد جرت سنة الله جل وعز في عبادة عند شرع من نصبه من النبيين أخذ الميثاق ، كما قال تعالى " وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً " وقال تعالى " من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً " وقال جل ذكره " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود " وقال " ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً إن الله يعلم ما تفعلون ، ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد أنكاثاً " وقال تعالى " لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل . . . . " في أمثال هذا خبر الله عز وجل فيه أنه لم يملك حقه إلا لمن أخذ عهده ، فأعطنا صفقة يمينك بالتوكيد من أيمانك وعقودك ، ألا تفشي لنا سراً ولا تظاهر علينا أحدا ولا تطلب لنا غيلة ، ولا تكلمنا إلا نصحاً ولا توال علينا عدواً ، في أمثال لهذا ، وإنما غرضهم لذلك كله أمور : منها أن يستدلوا بها بظاهر ما يعطيهم المخدوع من انقياده وطاعته ، على باطن أمره من شكه واضطرابه ، وكيف موقع ذلك منه ، ومنها التوثق بالأمن من كشف أحوالهم وانتشار أمورهم ، إلا بعد توطئه ما يريدونه حالا فحالا ، ومنها أن يرسموه بالذل والطاعة لهم والرضى منه بأن

الصفحة 119