كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 25)
"""""" صفحة رقم 123 """"""
والقائم بعلم بواطن الأمور وكشفها ، وإليه تفسيرها ، وإلى أمره أجرى ترتيب سائر من قبله ، في أمور سيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى .
فهذه درجة أخرى قررها الداعي عند المدعو نبوة نبي بعد محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، وسهل بها النقل عن شريعة ، وأخرج بها المدعو إليها عما هو معلوم عند كل سامع لدعوة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من أن دينه وما علم من مذهبه ونحلته أنه خاتم الرسل وأنه لا نبي بعده ، وأن دولته مبقاة وشريعته مفترضة أبداً ، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، فالعلم بذلك من ديانته وما عرف من مذهبه ، وأن أمته بلغت عنه وفهمته ، وأن من مفهوم شريعته أنه لم يكن يجوز لأحد نبوة غيره ، في وقته ولا فيما بعده ، فكانت هذه الدعوة أول ما أخرج الداعي بها المدعو عن شريعة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأدخله في جملة الكفار المرتدين عن شريعته ، وهو مع هذا لا يعلم ما خرج منه ولا دخل فيه .
ذكر صفة الدعوة الخامسة
قال : أعلم أنه من يحصل على ما قدمنا ذكره يحصل عليه ، وقد مهد له بطريق تعظيم الأعداد ، ووكد بذكر الطبائع في أبنية العالم ، وأمور كثيرة سيأتي ذكرها في المقالة الثامنة ، كلها مبينة ، على مذاهب مدخولة وأمور فاسدة مرذولة ، مذاهب كثير من الملحدين المتفلسفة ، مع اطراح ما نقلت الأمة ، والاستخفاف بحال الشريعة ، والاعتقاد لتعظيم الشيعة ، والانتظار لفسخ ما ورث عن النبوة ، وتوقع أمور باطنة بخلاف ما ألف من علم الظاهر ، وقلة احتفال بدلالة ظاهر القرآن وغيره من الكلام ، على الأمور بحقائق اللغة العربية واقتفاء أثر العرب في أوضاع كلامهم ، مع تمقيت العرب ومع تحبيب دناءة العجم ، ويوهم أن العرب للعجم أعداء وظالمون وأنهم لملكهم مغتصبون ، هذا يقال للمدعو إذا كان أعجمياً ، فإن كان أعرابياً خوطب في حال دعوته : بأن العجم غلبوا على دعوته وفازوا بمملكته ، وأن له الاسم ولهم الدنيا ، وأنه أحق بذلك منهم وأولى ، في أمور من هذا يطول وصفها بحسب ما يتخرج للداعي فيها .
ثم يمكن عنده طرفاً من الهندسة في الأشكال ، ويعرف أن طبائع الأعداد في النظام ، لأمر يستخرج منه علوم الأئمة ، والطريق إلى علم الإله والنبوة ، ويقرر عنده أن مع كل حججاً متفرقين في الأرض وأن عددهم في كل زمان ومكان اثنا عشر رجلاً ،