كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 25)

"""""" صفحة رقم 125 """"""
ذكر صفة الدعوة السابعة
قال رحمة الله : أعلم أنه متى أنس المدعو ، بما ذكرناه كله أو بكثير منه ، وقوى في نفس الداعي أنه يصلح لما بعد هذا ، إن كان بالغاً ، وبأغراض الدعوة عالماً ، وإلى التبليغ بمن يدعوه إلى هذه الأمور قاصداً - أتى بما نذكر ؛ وأما إن كان الداعي مخدوعاً ومتخذاً كالآلة ليتوصل به إلى التكسب ، ويمهد به الطريق ويرتب ، وهو غير بالغ إلى أعلى الرتبة في دعوة دون ذلك ، فإنه غافل لا يدري كيف قصته ، ولا يظن أن الأمر الذي يراد به إلا ما عرفه وبلغه ، أو ما يجانسه ويقاربه ، فإذا أراد الداعي أن يسلك بالمدعو فوق ما وصفنا قال له : قد صح لك أن صاحب الدلالة الناصب للشريعة لا يستغني بنفسه ولا بد له من صاحب معه يعبر عنه ، ليكونا اثنين أحدهما هو الأصل والآخر عنه كان .
وأعلم أن ذلك لم يحصل في العالم السفلي إلا وقد يحصل مثله في العالم العلوي ، فمذ بدء العالم اثنان هما أصل الترتيب وقوام النظام ، أحدهما هو الأعلى والمفيد ، والآخر هو الآخذ عنه المستفيد ، وربما أنسوه في ذلك بأن يقولوا له : هذا هو الذي أراده الله بقوله " إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون " وكن هو الأكبر الرتبة ، وأما الثاني فهو القدر الذي قال الله فيه " إن كل شيء خلقناه بقدر " ، وربما قالوا : هذا معنى ما تسمعه مما جاءت به الملة ، من أن أول ما خلق الله اللوح والقلم ، وقال للقلم اكتب ما هو كائن ، واللوح والقلم هما ما ذكرنا ، وربما قالوا : هذا معنى قول الله تعالى " وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله " ، فسلك به في هذا الطريق العدول عن التوحيد ، وأن الصانع اثنان ، وإن كان عندهم صنع الأجسام على جهة المثل والنظام ، لا على معنى الاختراع والإحداث ، وسيأتي ذلك وبيانه ، وإنما قدم هذا تمهيداً له .
ذكر صفة الدعوة الثامنة
قال الشريف أبو الحسين رحمه الله تعالى : أعلم أنهم إذا رتبوا ما ذكرنا قرروا عند المدعو أن أحد المدبرين أسبق من الآخر في الوجود وأعلى منه في الرتبة ، وأن الآخر مخلوق منه وكائن به ، ولولاه لم يكن وأنه كونه من نفسه ، وأن السابق أنشأ الأعيان ، والثاني صورها وركبها ، ثم ذكروا له منزلة السابق ، وأن السابق كان عمن كان منه ، كما كان الثاني عن السابق ، إلا أن الذي كان عنه السابق لا اسم له ولا

الصفحة 125