كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 25)
"""""" صفحة رقم 126 """"""
صفة ولا ينبغي لأحد أن يعبر عنه ولا أن يعبده ، فإذا بلغ هذه الرتبة سارعوا : إلا أن في الأسباب التي كان لها عندهم السابق عمن كان منه ممن لا اسم له ولا صفة ، وما هو ؟ وهل هو باختبار أم بغير اختبار ؟ وكذلك الحال التي كان لها الثاني عن ، السابق - اختلافاً - ، فذهب بعضهم إلى أن ذلك كان الفكرة عرضت لمن كان عنه السابق ، فجاء منها السابق ، ثم عرضت فكرة السابق فجاء منها الثاني ، على نحو ما يقوله بعض المجوس في توليد ، اتفق وأهر من الذي هو الشيطان عن القديم ، وأن ذلك بفكرة وقعت ردية ولدته ؛ وربما قال بعضهم إن تلك الفكرة ، لأن الذي لا صفة له فكر : أقدر أخلق مثلي أم لا ؟ وكان من ذلك أن تصور التالي ، ثم فكر التالي في ذلك فلم يأت بمثله ، في أنحاء من هذه الأمور التي سيأتي وصفها ، مما يخرج به قائلوه عن كل ديانة دان بها أحد من أهل الشرائع ، التي ينعقد معها نبوة وشريعة ولا يكون إلا مع دهرية أو ثنوية .
ثم رتب هؤلاء أن التالي يدأب في أعمال منه ، حتى يلحقوا بمنزلة السابق ، وأن الناطق في الأرض يدأب في أعماله حتى يلحق بمنزلة التالي ، فيقوم مقامه فيكون بمنزلته سواء ، وأن السوس يدأب في أعماله حتى يصير بمنزلة الناطق سواء ، وأن الداعي في أعماله حتى يبلغ منزلة السوس وحاله سواء ، وأن هكذا تجري أمور العالمين في أدواره وأكواره ، في أمثال لهذا .
ثم قرر عنده أن القول في معنى النبي الصادق الناطق ليس يجري على ما يقوله أهل الشرائع ، من أنه جاء بمعجزات ودلالات خارجة عن أحوال العادات ، وأن معنى ذلك إنما هو يأتي بأمور تنظيم بها السياسة ووجوه الحكمة ، وترتب بها الفلسفة ، ومعان تنبيء عن حقائق ابتداء السماوات والأرض ، وبدأتها على حقائق الأمور إما برموز وإما بإفصاح ، وتنظيم ذلك شريعة يقتفى عليها الناس ، ورتب له أمر القرآن ، وما معنى كلام الله ، بخلاف ما يدين به أهل الكتب ، ورتب له أمر القيامة وتقضى أمر الدنيا وحصول الجزاء من الثواب والعقاب ، على أمور ليست مما يعتقده الموحدون في شيء ، بل ذلك على معان أخر ، من تقلب الأمور وحدوث الأدوار عند انقضاء الكواكب وعوالم جماعتها ، والقول في الكون والفساد في ترتيب الطبائع ، على أمور كلها سيأتي شرحها إن شاء الله تعالى .