كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 25)
"""""" صفحة رقم 127 """"""
ذكر صفة الدعوة التاسعة
قال : أعلم إذا أنه حصل المدعو على ما ذكرنا أحيل حينئذ على طلب الأمور وتحقيقها وحدودها والاستدلال عليها من طرق المتفلسفة وإدراكها من كتبهم ، وجعلوا ما قدموه سابقاً له على طرائقهم ، واستنباط ما خفي عنهم وبنوه على علم الأربع طبائع ، التي هي استقصات وأصول الجواهر عندهم ، وعلى ترتيب القول في الفلك والنجوم والنفس والعقل وأمثال ذلك فيما هو معروف ، فيحصل الآن البالغون إلى هذه الرتب على أحد هذه الوجوه ، التي يعتقدها بعض أهل الإلحاد ممن يدين بقدم أعيان الجواهر ، ويصير ما قدم من ذكر الحدث والأصول رموز إلى معاني المبادي ، وتقلب الجواهر وحدوث الأمور التي يكون لها على أحوال وأحكام ، وعلى نحو تنزيل كثير منهم لحال العقل من حال الفلك من حال العقل ، وحال الطبائع والأعراض من حال النفس والعقل ، وحال المنقلب بالكون والفساد وما يكون من حال اله يولي بتقلب الأعراض المختلفة وترتيب العناصر ، والقول في العلة : هل تفارق المعلول أم لا ؟ وإقرار بعضهم بصانع لم تزل معه العناصر والمباديء أولاً ، وما هي تلك الأمور وكيف حدودها ، وما يصح من صفاتها والأسباب التي تعلم بها ، فربما صار البالغ في النظر في هذا إلى اعتقاد مذهب ماني وابن ديصان ، وربما صار إلى مذهب المجوس ، وربما دان بما يحكي عن أرسطا طاليس ، وربما صار إلى أمور تحكى عن أفلاطون ، وربما اختار من تلك معاني مركبة من هذه الأمور ، كما يجري كثير من هؤلاء المتحيرين . قال : وجميع ما وصفناه من التدريج بالمقدمات إنما يحصل الانسلاخ من شرائع أهل الكتب والنبوة فقط ، وجميعها يصلح أن تجعل تمهيداً ورموزاً إلى جميع هذه المذاهب التي ذكرناها ، وتجتذب بألفاظها إليها بالتأويل بحسب ما يريد المعتقد ، لما شاء منها مما سنبين ذلك إن شاء الله تعالى .