كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 25)
"""""" صفحة رقم 128 """"""
قال : وأما سلخه من جميع ما تقدم عليه من أمر الإمامة والنبوة فإنه أولاً يجعل عنده منازل ، وجميعهم منقوصة غير منزلة محمد بن إسماعيل صاحب الدور الآخر ، ويرتب له أن جميعهم لا يأتي بوحي من الله عز وجل ، ولا معجزة كما يقال الظاهرية ، وإنما يختص بالصفا فيلقي في فهمه ما يريد الله ، فيكون ذلك كلاماً ، ثم يجسده النبي ويظهره للخلق ، وينظم الشرائع بحسب المصالح في سياسات الناس ثم يأمر بالعمل بذلك مدة ، ثم يترك إلى لأن يؤمر بذلك ، يستدعي بها الناس ، لا لأنها تجب على أهل المعرفة بأعراضها وأسبابها ثم يقال له بعد ذلك إنما هي آصار وأثقال حملها الكفار ، وكذلك سائر المحرمات ، ثم يلقن أن إبراهيم وموسى وعيسى ، وهؤلاء أنبياء سياسات وشرائع ، فأما أنبياء الحكمة فإن هؤلاء أخذوا عنهم كأفلاطون وأمثاله من الفلاسفة ، فبنوا شرائعهم ليوصلوا بها العامة إلى علومهم ؛ ثم يقال له : انظر أيهما أحكم ، فلان النبي أو فلان ؟ ثم يلقن أن في بعض أحكامهم اختلالاً وفساداً ، ثم يلقن البراءة منهم وسوء سيرتهم ، وأنهم قتلوا النفوس ، وأمثال هذا . ويلقن في محمد بن إسماعيل بن جعفر أنه سيظهر ، ثم يقال له بعد ذلك : إنما يظهر في العالم الروحاني إذا صرنا إليه ، أما الآن فإنما يظهر أمره على ألسن أوليائه ، ثم يلقن أن الله أبغض العرب لما قتلت الحسين بن علي فنقل خلافة الأئمة عنهم كما نقل النبوة عن بني إسرائيل لما قتلوا الأنبياء ، ولا يقوم بخلافة الأئمة إلا أولاد كسرى ، فيكون ذلك غاية ما يقدموه في الباب كله متى استوى لهم ، فإن لم يتم له ذلك مع الدعوة تركه في أي منزلة نزلها ، مسعيذاً بهذه الوجوه .
قال : ثم اعلم - رحمك الله - أن هذا الترتيب والتخريج والتنزيل إنما كانت الدعاة عليه عند اجتماعها على مبدأ الدعوة ، والانعقاد على طلب الغوائل للمسلمين ، فيها اتفقوا على جملة منها وأصولها ، وفتحوا بالفكر طريقها ، ومهدوه على معنى ما ذكرناه ، وتفرقوا في البلدان ، وتمهيدهم بحسب أفكارهم واجتهادهم في الحيلة على المستمع ، وتميزوا في ذلك وتمكنوا منه في طول الأيام ، سيما مذ قويت أحوال الجنائي على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى في أخباره .
قال : فقد بينا خبر هذه الدعوة وكيف جرى أمرها ، وكيف يسلك بالمخدوع كل مسلك ، حتى يصير إلى التعطيل والإباحة ، فهذا أصل هذه الدعوة الملعونة وما أسست