كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 25)
"""""" صفحة رقم 133 """"""
وإياك أن تغير بكثير ممن يبلغ معك إلى هذه المنزلة فترقيه إلى غيرها ، إلا من بعد طول المؤانسة والمداوسة واستحكام الثقة ، إن ذلك يكون عوناً لك عند بلاغه على تعطيل الكتب ، التي يزعمون أنها منزلة عند الله ، فيكون هذا نعم المقدمة ؛ وآخر ترقيه من هذا إلى ما هو أعلى منه ، فإن القائم قد مات ، وإنه يقوم روحانياً ، وأن الخلق يرجعون إليه بصور روحانية ، وأنه يفصل بين العباد بأمر الله عز وجل ، يشتفى من الكافرين للمؤمنين بالصور الروحانية ، فإن ذلك يكون عوناً لك عند بلاغه على إبطال المعاد ، الذي يزعمونه والنشور من القبور ؛ وآخر ترقية من هذا إلى إبطال الملائكة في السماء والجن في الأرض ، فإنه قبل آدم بشر كثير ، وتقيم على ذلك الدلائل المرسومة من كتب شيوخنا المتقدمين ، فإن ذلك مما يعينك في وقت بلاغه ، على تسهيل التعطيل لله ، والإرسال بالملائكة إلى الأنبياء ، والرجوع به إلى الحق ، والقول بقدم العالم ؛ وآخر ترقيه إلى أوائل درج التوحيد ، وتدخل عليه بما تضمنه كتاب الدرس الشافي للنفس من أن لا إله لا صفة ولا موصوف ، فإن ذلك مما يعينك على القول بالإلهية ، تستحقها عند البلاغ إلى ذلك ، ومن رقيته إلى هذه المنزلة فعرفه حسب ما عرفناك حقيقة من أمر الإمام ، وأن إسماعيل ومحمداً ابنه من أبوابه ، وفي ذلك عون لك على إبطال إمامه ولد علي بن أبي طالب ، عند البلوغ والرجوع إلى القول بالحق لأهله ثم لا تزال شيئاً فشيئاً في أبواب البلاغ السبعة ، حتى تبلغ الغاية القصوى على تدريج ، وكل باب يأتي يشهد للمتقدم قبله ، والمتقدم يشهد للمتأخر .
واستعمل في أمرك الكتمان كما يوصى بني القوم خاصته ، فقال : استعينوا على أموركم بالكتمان ، ولا تظهر أحداً على شيء مما تظهر عليه من هو فوقه بوجه ولا سبب ، وعليك بإظهار التقشف للعامة والوقار عندهم ، وتجنب ما هو منكر عندهم ، ولا تنبسط كل الانبساط لإخوانك البالغين كما فعل من كان قبلك فإنه أتى بالتشديد ثم حل الأمور ، فإذا تدبرت بهذا التدبير وسلكت طريقته فقد سلكت طريق الأنبياء وأخذت حدودهم ، وعليك بعد ذلك بالاجتهاد في معالجة خفة اليد ، والأخذ بالأعين والحذق بالشعبذة ، فلن يخلو من الحاجة إلى ذلك عند قوم ينسبونك بعمله إلى إقامة المعجزات ، كما نسبوا قوماً تقدموا ؛ وعليك بمعرفة أحاديث الأولين وقصصهم وطرائقهم ومذاهبهم ، لتكون بينة أمرك في الأقاويل على قدر ما يصلح لأهل زمانك ، ترشد وتوفق ويقدم على الأيام أمرك ، ويعلو ذكرك ، ويكون الداخل في أمرك بعد