كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 25)

"""""" صفحة رقم 136 """"""
ويقيم الحق وأن البيعة له ، وأن الداعي إنما يأخذها على الناس له ، وأن ما يجمع من الأموال مخزون له إلى أن يظهر ، ولم تزل هذه الدعوة إلى محمد بن إسماعيل إلى أن هرب سعيد المسمى بعبيد الله من سلمية إلى المغرب ، وتلقب بالمهدي فصار هو الإمام ، وانتسب إلى أنه من ولد إسماعيل بن جعفر ، فنقلوا الدعوة إليه ، وكان القول في المبدأ : أن محمد بن إسماعيل حي لم يمت ، وأنه يظهر في آخر الزمان وأنه مهدي الأمة .
قال : ولم يكن هذا المحتال أن يرفع محمد بن إسماعيل ، ولا يأخذ له بيعة ، إنما جعله باباً يستغل به عقل من يدخل فيه ويتبين له أنه قد تمكن من خديعته وبلغ المراد منه ، شيعيا كان أو سنياً . قال : ولما أظهر اللعين ما أظهر من هذه الأقوال كلها ، بعد تعلقه بذكر الأئمة والرسل والحجة والإمام ، وأنه المعول والقصد والمراد ، وبه اتسقت هذه الأمور ولولا هو لهلك الحق وعدم الهدى والعلم ، وظهر في كثير منهم الفجور ، وبسط بعضهم أيديهم بسفك الدماء ، وقتل جماعة ممن أظهر خلافاً لهم ، فخافهم الناس جداً واستوحشوا من ظهور السلاح بينهم ، فأظهر موافقتهم كثير من مجاوريهم ، مقاربة لهم وجزعاً منهم .
ثم إن الدعاة اجتمعوا واتفقوا على أن يجعلوا لهم موضعاً ، يكون وطناً ودار هجرة يهاجرون إليها ويجتمعون بها ، فاختاروا من سواد الكوفة في طسوج الفرات - من ضياع السلطان المعروفة بالقاسميات ، قرية تعرف بمهيماباد ، فنقلوا إليها صخراً عظيماً ، وبنوا حولها سوراً منيعاً عرضه ثمانية أذرع ، وجعلوا من ورائه خندقاً عظيماً ، وفرغوا من ذلك في أسرع وقت ، وبنوا فيها البنيان العظيم ، وانتقل إليها الرجال والنساء من كل مكان ، وسميت دار الهجرة وذلك في سنة سبع وسبعين ومائتين . فلم يبق بعد هذا أحد إلا خافهم ، ولا بقي أحد يخافونه لقوتهم وتمكنهم في البلاد ، وكان الذي أعانهم على ذلك تشاغل السلطان ببقية الخوارج وصاحب الزنج بالبصرة ، وقصر يد السلطان وخراب العراق وركوب الأعراب واللصوص وتلف الرجال وفساد البلدان وقلة رغبة من يلي الأعمال من ذوي الإصلاح والأمانة من العمال وأصحاب الحروب ، فتمكن هؤلاء الدعاة ومن تبعهم بهذا السبب ، وبسطوا أيديهم في البلاد وعلت كلمتهم ، فغلبوا على ذلك سنين .

الصفحة 136