كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 25)

"""""" صفحة رقم 138 """"""
قطعوا الدعوة وأنهم لا يعودون فيها وأن أباه كان قد غرهم وادعى نسبه من عقيل بن أبي طالب كذباً ودعا إلى المهدي ، فكنا نعمل على ذلك ، فلما تبينا أنه لا أصل لذلك ، وعرفا أن أباك من ولد ميمون بن ديصان وأنه صاحب الأمر ، تبنا إلى الله تعالى مما تحملناه ، وحسبنا ما كفرنا أبوك فتريد أن تردنا كفاراً ؟ انصرف عنا إلى موضعك . قال : وكان عبدان قد تاب من هذه الدعوة حقيقية ، فلما أيس منه صار إلى زكرويه بن مهرويه ، فعرفه خبر عبدان ومارد عليه ، فلقيه زكرويه بكل ما يحب ، وقدر أنه ينصبه داعياً مقام أبيه ، فيستقيم له أخذ الأموال وجمع الرجال ، وواطأة على ذلك ، وقال له : إن هذا الأمر لا يتم مع عبدان ، لأنه داعي البلد كله ، والدعاة من قبله والناس من تحت يده ، وأنه لا يجيبه إلا أهل دعوته خاصة . وشرعا في إعمال الحيلة على قتل عبدان ، واتفقا على ذلك ، ثم وجه زكرويه إلى رجل من بني تمم بن كليب وأخ له كانا من أهل دعوته ، وأحضر جماعة من قراباته وثقاته فأظهرهم على ابن اللعين ، وعرفهم أنه ابن الحجة ، وأن الحجة توفى وأن ابنه هذا يقوم مقامه ، فأجلوه وأعظموه وقالوا له : مرنا بأمرك ، فأمرهم بقتل عبدان ، وعرفهم أنه نافق وعصى وخرج عن المللة ، فساروا إليه من ليلتهم وبيتوه فقتلوه ، وكان زكرويه هذا من تحت يد عبدان ، وعبدان هو الذي أقامه داعية فلما شاع في الناس أن زكرويه قتل عبدان طلبه الدعاة والقرامطة ليقتلوه فاستتر ، وخالفه القوم بأسرهم إلا أهل دعوته ، وخاف على نفسه ولم يتم له أمره الذي دبره ، فقال لابن اللعين : قد ترى ما حدث ، ولا آمن عليك وعلى نفسي ، فارجع إلى بلدك ودعني ، فإني أرجو أن يتغير الأمر ، فأتمكن من الناس وأدعوهم إليك ، فإذا تمكنت من ذلك أرسلت إليك لتصير إلي ، فانصرف إلى الطالقان واستتر زكرويه وتنقل في القرى ، وذلك سنة ست وثمانين ومائتين ، والقرامطة تطلبه وأصحابه عبدان يرصدونه ، وكان قد اتخذ مطمورة تحت الأرض على بابها صخرة ، فإذا دخل قوم إلى القرية في طلبة قامت امرأة في الدار التي هو فيها إلى تنور ينقل ، فوضعته بقرب الصخرة ثم أشعلت النار ، وأرت أنها تريد أن تخبز ، فيخفي أمره على من يطلبه ، فمكث كذلك سنة ست وسنة سبع وثمانين ومائتين فلما رأى انحراف أهل السواد عنه إلا أهل دعوته وطال أمره ، أنفذ ابنه الحسن في سنة ثمان وثمانين ومائتين إلى الشام ، وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى بعد ذكرنا لأخبار أبي سعد الجنابي .

الصفحة 138