كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 25)

"""""" صفحة رقم 141 """"""
الأحساء ، وأطمعوه من بني كلاب وسائر من يقرب منه من العرب ، وطلبوا منه أن يضم إليهم رجالاً ففعل ذلك ، فلقوا بهم عشيرتهم فاقتتلوا فهزمتهم القرامطة فأكثروا فيهم القتل ، وأقبلوا بالحريم والأموال والأمتعة نحو الأحساء ، فاضطر المغلوبين إلى أن دخلوا في طاعته وصاروا تحت أمره ، ثم وجه أبو سعيد بجيش آخر إلى بني عقيل فظفر بهم ، فقصدوه ودخلوا في طاعته ، فملك تلك الفلاة ، وتجنب قتاله كل أحد إلا بني ضبة ، فإنها ناصبته الحرب ، فلما اجتمع إليه من اجتمع من العرب وغيرهم خوفهم ومناهم ملك الأرض كلها ، فاستجاب بعضهم إلى دعوته فرد إليهم ما أخذ منهم أهل وولد ، وأجاب آخرون رغبة في دعوته ، ولم يرد على أحد إبلاء ولا عبداً ولا أمة وأنزل الجميع معه الأحساء ، وأبي قوم دعوته عليهم حرمهم ومن لم يبلغ من أولادهم أربع سنين وشيئاً من الإبل يحملون عليه ، وحبس ما سوى ذلك كله ، وجمع الصبيان في دور وأقام عليهم قواما ، وأجرى عليهم ما يحتاجون إليه ، ووسم جميعهم على الخدود لئلا يختلطوا بغيرهم ، وعرف عليهم عرفاء ، وعلم من صلح لركوب الخيل والطعان فنشأوا لا يعرفون غيره ، وصارت دعوته طبعاً لهم ، وقبض كل مال من البلد والثمار والحنطة والشعير ، وأنفذ الرعاة في الإبل والغنم ، وقوماً للنزول معها لحفظها والتنقل معها على نوب معروفة ، وأجرى على أصحابه جرايات فلم يكن يصل أحد إلى غير ما يطمعه ، وهو لا يغفل مع ذلك عن هجر ، فلما أضجروه وطال أمرهم وقد كان بلغ منهم الحصار كل غاية ، وأكلوا السنانير والكلاب وكان حصارهم يزيد عل عشرين شهراً ، ثم جمع أصحابه وحشد لهم وعمل الدبابات ، ومشى بها الرجال إلى السور ، فاقتتلوا أشد قتال لم يقتتلوا مثله قبل ذلك ، ودام القتال عامة النهار ، وكل منتصف من الآخر ، وكثرت بينهم القتلى ، ثم رجع إلى الأحساء ، ثم باكرهم فناوشوه فانصرف ، فلما قرب من الأحساء أمر الرجالة ومن جرح أن ينصرف ، وعادوا في خيل فدار حول هجر ، وفكر فيما يكيدهم به ، وإذا لهجر عين عظيمة كثيرة الماء ، يخرج من نشز من الأرض غير بعيد منها ، ثم يجتمع ماؤها في نهر ويقتسم حتى بجانب هجر ملاصقاً ، ثم ينزل إلى النخيل فيسقيها ، فكانوا لا يفقدون الماء في حصارهم ، فلما تبين له أمر العين انصرف إلى الأحساء ، وثم غدا فأوقف على باب المدينة عسكراً ، ثم رجع إلى الأحساء وجمع الناس كلهم وسار في

الصفحة 141