كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 25)
"""""" صفحة رقم 144 """"""
قال : أفعل ، قال : تقول الذي أنزل بجيشك ما أنزل بغتك ، هذا بلد كان خارجاً عن بلدك غلبت عليه وأقمت به وكان في من الفضل ما آخذ غيره ، فما عرضت لما كان في يدك ولا هممت به ، ولا أخفت لك سبيلاً ، ولا نلت أحداً من رعيتك بسوء ، فتوجيهك إلى الجيوش لأي سبب ؟ اعلم إني لا أبرح عن هذا البلد ولا يوصل إليه وفي ، وفي هذه العصابة التي معي روح ، فاكفني نفسك ولا تتعرض لما ليس لك فيه فائدة ، ولا تصل إلى مرادك منه إلا ببلوغ القلوب الحناجر ، وأطلقه وأرسل معه من يرده إلى مأمنه ، فأوردوه بعض السواحل فصادف مركباً فركب فيه إلى الأباة ، ووصل إلى بغداد في شهر رمضان من السنة . قال : وقد كان الناس يعظمون أمر العباس ويكثرون ذكره ويسمونه قائد الشهداء ، فلما وصل إلى المعتضد بالله عاتبه على تركه الاستظهار والتحرز وأنبه ، فاعتذر بهرب بني ضبة ومن كان معهم من المطوعة وهرب أصحابه عنه ، وأنه لو أراد الهرب لأمكنه ، فلم يبرح حتى رضي عنه وزال همه ، ثم سأله عن خبره فعرفه جميعه ، ووصف له أحوال القرامطة وما قاله أبو سعيد بعد أن استأذنه في ذلك فأذن له ، فقال : صدق ما أخذ شيئاً كان في أيدينا ، وأطرق مفكراً ثم رفع رأسه ، فقال : كذب عدو الله الكافر ، المسلمون رعيتي حيث كانوا من بلاد الله ، والله لئن طال بي عمر لأشخصن بنفسي إلى البصرة وجميع غلماني ، ولأوجهن إليه جيشاً كثيفاً فإن هزمه وجهت جيشاً ، فإن هزمه خرجت في جميع قوادي وجيشي إليه ، حتى يحكم الله بيني وبينه ، وشغله بعد ذلك أمر وصيف غلام ابن أبي الساج وأحفزه ، فخرج في طلبه وهو عليل ، وذلك في شوال من هذه السنة ، فأخذه وعاد إلى بغداد فدامت علته واستمر وجعه ومات .
قال القاسم بن عبيد الله : ما زال أمير المؤمنين المعتضد بالله يذكر أمر أبي سعيد في مرضه ويتلهف ، فقلت : ما هذا يا أمير المؤمنين ؟ قال : حسرة في نفسي كنت أحب أن أبلغها قبل موتي ، والله لقد كنت وضعت في نفسي أن أركب ، ثم أخرج إلى باب البصرة متوجهاً نحو البحرين ، ثم لا ألقي أحداً أطول من سيفي إلا ضربت عنقه ، وإني أخاف أن يكون من هناك حوادث عظيمة .
قال : وأقبل أبو سعيد بعد إطلاق العباس على جمع الخيل وإعدا السلاح واتخاذ الإبل وإصلاح الرجل ونسج الدروع والمغافر ونظم والجواشن وضرب السيوف والأسنة وإتخاذ الروايا والمزاد والقرب وتعليم الصبيان الفروسية ، وطرد الأعراب عن قربه وسد الوجوه إلى يتعرف منا أمر بلده وأحواله بالرجال وإصلاح أراضي المزارع وأصول النخل وعمارته ، وإصلاح مثل هذه الأمور وتفقدها . ونصب الأمناء على