كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 25)

"""""" صفحة رقم 145 """"""
ذلك ، وإقامة العرفاء على الرجال ، والاحتياط على ذلك كله ، حتى بلغ من تفقده واحتياطه أن الشاة كانت تذبح فيسلم اللحم إلى العرفاء ، ليفرقوه على من يرسم لهم ، ويدفع الرأس والأكارع والبطن إلى العبيد والإماء ، ويجز الصوف والشعر من الغنم ويفرقه على من يغزله ، ثم يدفع إلى من ينسجه عبياً وأكسبة وغرائر وجوالقات ويفتل منه حبال ، ويسلم الجلد إلى الدباغ ، فإذا خرج من الدباغ سلم إلى خرازي القرب والروايا والمزاد ، وما كان من الجلود يصلح نعالاً وخفافا عمل منه ، ثم يجمع ذلك كله في خزائن ، فكان ذلك دابه لا يغفل عنه ، ويوجه في كل مديدة بخيل إلى ناحية البصرة ، فتأخذ من وجدت فتصير بهم إليه فيستعيدهم ، فزادت بلاده وعظمت هيبته في صدور الناس .
قال الشريف أبو الحسين : وقد كان واقع بني ضبة عند طرده لهم عن قرب بلده ، فأصاب منهم وأصابوا منه ، ولم يتباعدوا عنه بعيداً ، فلما شخص مع العباس بن عمرو منهم شخص - في وقت مسيرة لقتاله - ازداد بذلك حنقاً عليهم ، فواقعهم وقائع مشهورة بالشدة والعظم ، ثم ظفر بهم فأخذ منهم خلقاً ، وبنى لهم حبساً عظيماً وجمعهم فيه وسدد عليهم ، ومنعهم الطعام والشراب فصاحوا وضجوا فلم يغثهم ، فمكنوا على ذلك شهراً ثم فتح عليهم ، فوجد الأكثر منهم موتى ، ووجد نفراً يسيراً قد بقوا على حال الموتى ، وقد تغذوا بلحوم الموتى ، فخصاهم وخلاهم فمات أكثرهم .
ذكر مقتل أبي سعيد الجنابي
كان مقتله في سنة إحدى وثلاثمائة بعد أن استولى على سائر بلاد البحرين ، وكان سبب مقتله أنه لما هزم جيش العباس بن عمرو كما تقدم واستولى على عسكره ، أخذ من عسكره خادماً له صقلبيا ، فاستخدمه وجعله على طعامه وشرابه ، فمكث كذلك مدة طويلة لا يرى أبا سعيد فيها مصلياً لله عز وجل صلاة واحدة ، ولا يصوم في شهر رمضان ولا في غيره يوماً واحداً ، فأضمر الخادم لذلك قتله ، فدخل معه الحمام يوماً - وكان الحمام في داره ، فأخذ الخادم معه خنجراً ماضياً - ولم يكن معه في الحمام غيره ، فلما تمكن منه أضجعه فذبحه ، ثم خرج فقال : السيد يستدعي فلاناً لبعض بني سنبر فأحضر فقال : ادخل فدخل ، فبادره فقبض عليه وذبحه ، ولم يزل يستدعي من رؤساء القرامطة واحدأ واحداً حتى قتل جماعة من رؤساء الوجوه ،

الصفحة 145