كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 25)

"""""" صفحة رقم 161 """"""
الرجال ليلاً ونهاراً ، فأنفذ الوزير جنى الصعفراني ومباركاً القمى وتحرير العمري ورائقاً وطائفة من الغلمان الحجرية وجماعة من القواد في جيش عظيم ، فوصل أوائلهم في اليوم السادس من يوم النحر ، فركب إليهم إسحاق بن عمران وذكر لهم قوة من لقي من القرامطة ، وأنه قد مارسهم ، وحذرهم أن يغيروا بهم ، وقال لهم : سيروا إلى القادسية فإن بينكم وبينها مرحلة ، وإذا صرتم بها فأريحوا واستريحوا وتجمعوا ، ثم سيروا إليهم وطاولوهم ونازلوهم فإن الظفر برجي بذلك فيهم عندي ، ولا ترموا بأنفسكم عليهم صبر غير أنكال ، فقال له بشر الأفشيني : إن رأيناهم كفيناك القول يا أبا يعقوب ، إنما نخشى أن يهربوا ، فدعا لهم بالنصر ورحلوا نحو القادسية ، فتابوا بها ليلة ورحلوا في آخرها إلى الصوان ، وبين الموضعين نحو العشرة أميال ، ورحلوا بالأثقال والفهود والبزاة وهم على غير تعبئة مستخففين بهم ، فأسرعوا السير ووصلوا وقد تعب ظهرهم وقل نشاطهم وقد عمد القرامطة فضربوا بيوتهم إلى جانب جرف عظيم لنهر هناك وأثقالهم مما يلي البيوت ، والرجالة في أيديهم السيوف ، وقتالهم من وجه واحد صفا واحداً قدام البيوت بقدر نصف غلوة ، والفرسان جلوس خلف الرجالة ، فلما تراءى الفريقان ركب الفرسان وافترقوا فصاروا جناحين للرجالة ، وحملوا على الناس فصدقوهم الحملة فانكفأوا راجعين ، وتلاقى الرجالة من الفريقين ، فأتت رجالة العسكر على رجالة القرامطة وألجأوهم إلى البيوت ، وأقبلت الفرسان فنظروا إلى الرجالة ينهبون بيوتهم ، فترحلوا وحملوا خيلهم الأمتعة ، وكانت القرامطة في مجنبات الناس لما رأوا من صدق القتال ، فلما رأوا الناس قد حملوا الدواب والجمازات وتشاغلوا حملوا على الجمازات والبغال بالرماح ، فأقبلت لا يردها شيء عن الناس تخطبهم ، فانهزم الناس ووضع السيف فيهم ، وقتل الأكثر وتبع الأقل نحو القادسية وفيهم مبارك القمى ، فأقاموا ثلاثاً يجمعون السلب والأسرى ، وجمع زكرويه الآلة والمتاع والأثاث والجمازات ، فقبل إنه أخذ ثلاثمائة جمل وخمسمائة بغل مما كان للسلطان سوى ما أخذ للقواد ، وقيل إنه قتل ألفاً وخمسمائة رجل ، فقوى أصحابه جداً ، ودخل الكوفة فلول الجيش عراة . ورحل زكرويه يريد الحاج وبعث دعاته إلى السواد ، فلم يلحق به فيما قيل إلا النساء والصبيان ، قال : ولما وقف الخليفة على صورة الأمر عظم عليه وعلى الناس وخافوا على الحجاج ، فانفذ المكتفى بالله محمد بن إسحاق بن كنداج لحفظ الحاج

الصفحة 161