كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 25)
"""""" صفحة رقم 169 """"""
لبنه قد ثلت فاستراب بذلك ، وجاء بعض الأعراب بجلة فيها قطعة من تمر هجر فتيقن أمر القرامطة ، فشغل ذلك قلبه ، وجاءه ما لم يقدره ولا ظنه فاضطرب من ذلك اضطراباً شديداً ، وورد حاتم الخراساني بقافلة الحاج من مكة ثاني ذلك اليوم ، ومعه قافلة عظيمة ، فزاد ذلك في شغل قلب لأبي الهيجاء لخوفه عليه ، ولم يظهر ذلك لحاتم ولا لغيره ثم ارتحل فلم يعترض عليه ، فلما صار حاتم بالثعلبية أنهى إليه شيء من أخبار القرامطة وأنهم بلبنه ، وكان القرمطي رحل من بلده في ستمائة فارس وألف راجل ، وسار حاتم فاجتاز بالهبير ليلاً فلم ينزله ، وسار حتى نزل الشقوق ، وأغذ السير وسلمه الله ومن معه ، ونزلت بفيد قافلة أخرى من غد رحيل حاتم من الخراسانية ، ثم ساروا عنها حتى إذا كانوا بالهبير ظهر لهم أبو طاهر سليمان القرمطي ، فقتل بعضهم وأفلت البعض حتى وردوا الكوفة ، فاشتد خوف الناس بالكوفة على الحاج واضطربوا ، إلا أن نفوسهم قوية بمقام أبي الهيجاء بفيد ، وكان أبو الهيجاء قد أنفذ رجلاً طائياً يعرف له أخبار القرامطة ، يقال له مسبع بن العيدروس من بني سنبس - وكان خبيراً بالبر ، وتقدم إليه أن يسرع إليه بالخبر ويعدل عن الطريق ، ومعه جماعة قد أزاح عللهم في الرزق والمحمل ، فساروا حتى قربوا من لبنه فنزل إليهم فارسان ، فركبوا خيولهم وتلقوهما فتطاردوا ، وقصرا في الركض وهبطا وادياً خلفهما وخرجا منه ، ولحقتهم الخيل فساروا على أرض جدب ، فدفع عليهم نحو سبعين فارساً ، فلم ينته حتى طعنت فيهم وضربت ، فرجع القوم على خيل مطرودة وخيول القرامطة مستريحة ، فبالغوا في دفعهم بكل جهد فلم تك إلا ساعة حتى قتلوا جميعاً ، وأسروا مسبعاً دليل القوم فحملوه إلى لبنه ، فسأله القرمطي وقال : إن صدقتني أطلقتك ، فلما أخبره أمر بحفظه ، قال : ولم يمض لأبي الهيجاء يومان بعد إرسال الطليعة حتى وردت قوافل الحاج وأصحاب السلطان معها ، وفيها من الوجوه أحمد بن بدر ، عم السيدة أم المقتدر بالله ، وشفيع الخادم ، وفلفل الأسود صاحب خزانة السلطان ، وإسحاق بن عبد الملك الهاشمي صاحب الموسم وغيرهم ، فأعلمهم أبو الهيجاء الخبر فأجالوا الرأي ، فقال لهم : قد أنفذت رجالاً أثق بهم طليعة ، وأخذت عليهم ألا يرجعوا حتى يشربوا من لبنه والصواب التوقف عن الرحيل لننظر ما يأتون به ، فعملوا على ذلك وأقاموا بفيد ستة أيام ، ونزلت القافلة الوسطى فيد وكثر الناس وغلت الأسعار ، ولم يقدروا على حشيش للعلف ولا خبز ، فضج الناس وأجمعوا على الرحيل فرحلوا عن فيد يوم الأحد ، وخلف أبو الهيجاء