كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 25)

"""""" صفحة رقم 172 """"""
بالقافلة ، ومنعوا الناس من الهرب ، وكان قد هرب خلق منهم في وقت القتال ، فتلف كثير منهم في الطريق عطشاً وأخذ بعضهم الأعراب فسلبوهم ، وسلم قوم منهم إلى زبالة وساروا إلى الكوفة ، وأتى بأبي الهيجاء إلى سليمان فلما نظر إليه تضاحك ، وقال : قد جئناك عبد الله ولم نكلفك قصدنا ، فتلطف له أبو الهيجاء بفضل عقله ودهائه وسعة حيلته وقوة نفسه ، وألان له القول حتى أنس به ، فاستأمنه على نفسه فأمنه فخلص بذلك ناساً كثيراً ، وعمل في سلامة كثير من الحاج عملاً كثيراً ، ثم أمر القرمطي بتمييز الحاج وإخراجهم من القوافل ، وعزل الجمالين والصناع ناحية فظنوا أنه إنما أخرجهم للقتل فارتاعوا لذلك ، وكانوا قد عطشوا عطشاً شديداً ، فلما جنهم الليل ضجر الموكلون منهم ، فأخذوا ما معهم وخلوهم ، فورد من ورد منهم الكوفة بشر حال متورمي الأقدام في صور الموتى ، ورحل أبو طاهر من الغد بعد أن أخذ من أبي الهيجاء وحده نحوا من عشرين ألف دينار من الأموال التي لا تحصى كثرة ، وقدم كثير من الناس بخبر أبي الهيجاء ، وأنه راكب مع القرامطة يدور معهم ويسأل في خلاص أسري كانوا معه ، منهم أحمد بن بدر عم السيدة وفلفل الأسود وأحمد بن كشمرد وتحرير الخادم صاحب الشمسة وبدر الطائي وأخوه وغيرهم .
قال : وزادت غلبة أبي طاهر لأصحابه فتنة ، وعظموا أمره وسلب عقولهم حتى قالوا فيه أقوالاً مختلفة بحسب جهلهم ، قال : ولما مضى لأبي الهيجاء شهور وهو عندهم أخذ يحتال في الخلاص ، فمرة يعرض به ومرة يفصح به حتى أنس القرمطي بذلك وأجابه إليه ، فسأله في ابن كشمرد وقال : هو ضعيف لكبره وعلته ، وهذا الخادم الأسود ممن لا يضر السلطان فقده ولا ينفعه إطلاقه ، وكلمه في أحمد بن بدر فامتنع عليه ، فضمن له عشرين ألف دينار وبزاة وفهوداً وعبداناً وثيابا ، فاستحلفه وضمنه ، وتخلص منه ناس كثير من الحاج ، وأطلقه ، وصار إلى بغداد فتباشر الناس بذلك وابتهجوا به .
ذكر دخول أبي طاهر الكوفة والعراق ورجوعه
كان أبو طاهر قد كتب إلى الخليفة المقتدر بالله - بعد إطلاق أبي الهيجاء بن حمدان - يطلب منه البصرة والأهواز ، فلم يجبه إلى ذلك ، فسار من هجر في سنة ثنتى عشرة وثلاثمائة يريد الحاج عند توجههم إلى الحجاز ، وكان جعفر بن ورقاء الشيباني يتقلد أعمال الكوفة وطريق مكة ، فسار مع الحاج خوفاً عليهم من أبي طاهر ، ومعه ألف رجل من بني شيبان ، وسار مع الحجاج من أصحاب السلطان ثمل صاحب

الصفحة 172