كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 25)
"""""" صفحة رقم 176 """"""
قال الشريف : وسار مؤنس المظفر حتى نازل القرامطة على قنطرة نهر زبارا ، على نحو ثلاثة فراسخ من بغداد ، وشحن الموضع بالجيش ، وأشار أبو الهيجاء بن حمدان بقطع القنطرة خوفاً من عبور القرمطي ، وإن اتفق أدنى جولة مع امتلاء صدور الجيش من القرامطة فلا يملك البلد لشدة اضطرابه وكثرة أهله ، ففعل مؤنس ذلك وقطعها وقاتل عليها نفر من القرامطة قتالاً شديداً ، لا يمنعهم كثرة النشاب ولا غيره ، وشحن مؤنس الفرات ما بين بغداد إلى الأنبار بسماريات ، فيها رماة ناشبة تمنع أحداً من القرامطة من شرب الماء إلا بجهد ، فضلاً عن تمكن من العبور ، وكان أحد من نصب لذلك إسحاق بن إبراهيم بن ورقاء ، وكان شيخاً ذا دين وبصيرة ونية في الخير ، فأقام على حصاره لأبي طاهر وكان لا يقدر على مذهب لا إلى وجهه ولا إلى جوانبه ، ومتى دنا من الماء أخذته السهام ؛ قال الشريف : فحدثني من حصر يومئذ وقد ورد كتاب المقتدر بالله ، يأمر مؤنساً بمعاجلته القتال ويذكر ما لزم من الأموال إلى وقت وصوله ، فكتب مؤنس كتاباً ظاهراً - جواب كتاب الخليفة - يمليه على كاتبه والناس يسمعون ، يقول : إن في مقامنا ، أطال الله بقاء مولانا نفقة المال ، وفي لقائنا نفقة الرجال ، ونحن اخترنا نفقة المال على نفقة الرجال ، قال : ثم أنفذ المظفر مؤنس رسولاً إلى القرمطي يقول : ويلك تظن أنني كمن لقيك ، أبرز لك رجالي والله ما يسرني أن أظفر بقتل بك رجل مسلم من أصحابي ، ولكنني أطاولك وأمنعك مأكولاً ومشروباً حتى آخذك أخذا بيدي إن شاء الله ؛ قال : وأنفذ المظفر حاجيه يلبق في ستة آلاف مقاتل إلى القرامطة ، الذين بقصر ابن هبيرة مع سواده ، ليوقعوا بهم ويخلصوا يوسف بن أبي الساج ، فعلم أبو طاهر بذلك فاضطرب واجتهد في عبور الفرات فعجز . ثم اتفق له طوف حطب فعبر عليه في نفر يسير ، وصار إلى سواده الذي خلفه ، وجاءه يلبق فواقعه أبو طاهر في نفر يسير ، فكر يلبق راجعاً منهزماً وسلم السواد وذلك بعد قتال شديد .
ونظر أبو طاهر إلى ابن أبي الساج - وقد خرج من الخيمة ، ينظر ويرجو الخلاص ، وقد ناداه أصحابه : أبشر بالفرج ، فلما تمت الهزيمة أحضره أبو طاهر وقتله وقتل من معه من الأسرى ، وقصد القرامطة مدينة هيت وكان المقتدر قد سير إليها