كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 25)

"""""" صفحة رقم 182 """"""
بعض أهل الكوفة على بعض أصحابه في هذه السنة - عند نزولهم بالكوفة - أن يسار في الحاج بغير ما يجري فيهم ، فقال الرجل : الذي من أصحاب القرمطي : والله ما ندري ما عند سيدنا أبي طاهر ، من تمزيق هؤلاء الذين من شرق الأرض وغربها ، واتخاذهم ومن وراءهم أعداء ، وما يفوز بأكثر أموالهم إلا الأعراب والشراد من الناس ، قال الكوفي : فلو أنه حين يظفر بهم دعائهم أن يؤدي كل رجل ديناراً وأطلقهم وأمنهم لم يكره أحد منهم ذلك وخف علهيهم وسهل ، وحج الناس من كل بلد لأنهم ظماء إلى ذلك جداً ، ولم يبق ملك إلا كاتبه وهاداه واحتاج إليه في حفظ أهل بلده وخاصته ، فجبي في كل سنة ما لا يصبر إلى سلطان مثله من الخراج ، واستولى على الأرض وانقاد له الناس ، وإن منع من ذلك السلطان اكتسب المذمة ، وصار عند الناس هو المانع من الحج ، فاستصوب رأيه وفرج عنه ، لأن أصحاب أبي طاهر كان قد ظهر منهم اضطراب عليه وقلت طاعتهم له ، قال : حتى لقد سمعت بعضهم وقد لحقه فارس من العرفاء يركض ويدور في الكوفة ويقول : ارجع إلى العسكر فإن السيد يأمرك بذلك ، فذكر أمه بقبيح من الشتيمة بعد أن كانوا يعبدونه ، قال : ولما سمع رئيس القرامطة كلام الكوفي وما أشار به من أمر الحاج وما جرى من الكلام في ذلك دخل إلى أبي طاهر فعرفه ما جرى ، فبادر من وقته ونادى في الناس بالأمان ، وأحضر الخراسانية وقرر معهم أنهم يحجون ويؤدون إليه المال في كل سنة ، ويكونون آمنين على أنفسهم وأموالهم فلم يأمنوا له ، فسلم سياسة أمرهم إلى أبي علي عمر بن يحيى العلوي ، واستقر للقرامطة ضريبة ورسم على سفر الحاج .
قال الشريف : ولما كان في سنة خمس وعشرين وثلاثمائة كبس أبو طاهر الكوفة عشية ، وفيها شفيع اللؤلؤي أمير ، فهرب من مجلسه والناس عنده ، ورمى بنفسه من سطحه واستتر عند امرأة ضعيفة ، وظهر الجند من الطرقات فقاوموا من لحقهم من جيشه ، وامتنع أكثرهم منه وخرجوا سالمين إلا نفراً منهم أصيبوا ، ووجه أبو طاهر إلى شفيع اللؤلؤي فأمنه وأحضره ، فحضر إليه وقدم إليه طعاماً يأكله ، وطلبت مائدة يأكل عليها ، فقيل ما يحضر إلا مائدة نهبت من داره ، فقال أبو طاهر : قبيح أن يراها فافرشوها بالرقاق لكي لا يعرفها ، ففعلوا ذلك وقدمت إليه ، وكان يحمل إلى أبي طاهر صحفة صحفة مما يقدم إليه ، فينظر إليها أولاً وينفذها إليه وكان ذلك لدناءته ومهانته ، وتفرق أصحابه عنه وقلت طاعتهم له فاحتاج إلى المداراة ، فوجه إلى شفيع من يخاطبه في أن يمضي إلى السلطان ، ويعرفه أنهم صعاليك لا بد لهم من أموال ، وأنه إن أعطاهم مالاً لم يفسدوا عليه شيئاً وخدموه فيما يلتمسه ، وإن أبى ذلك لم

الصفحة 182