كتاب عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج (اسم الجزء: 3)
فَرْعٌ: الأفضلُ في الزكاةِ إظْهَارُهَا، واستثنى الماورديُّ الأموال الباطنة؛ فإنَّ الأولى إِخْفَاءُ إخراج زكاتِهَا، وأما للإِمَامِ، فالإظهارُ في حقِّهِ أفضلُ.
وَمَنْ عَلَيهِ دَيْنٌ أَوْ لَهُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَّا يَتَصَدَّقَ حَتَّى يُؤَدِّيَ مَا عَلَيْهِ، تقديمًا لِلأهَمّ وربما قيل: يُكْرَهُ، قُلْتُ: الأصَحُّ تَحْرِيمُ صَدَقَتِهِ بِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِنَفَقَةِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، أي بخلاف نفقة نفسه؛ فإنَّه لا يستحبُّ، أَوْ لِدَينٍ لا يَرْجُو لَهُ وَفَاءً، وَالله أَعْلَمُ, لأنه حقٌّ واجبٌ فلا يجوزُ تركه لِسُنَّةٍ؛ وصحَّحَ في شرح المهذب فيما عدا الدَّيْنِ التَّحْرِيْمَ بالنسبةِ إلى نفسِهِ أَيضًا وعبَّر في الروضة عن مسألة الدَّيْنِ بالمختارِ بَدَلَ الأصحّ. وفي إطلاق التحريم نظرٌ، فإن كِبَارَ الصحَابَةِ كانوا يُؤْثِرُوْنَ حال الضَّرُورةِ؛ ويخرجونَ عن جميع أموالهم ولا يتركونَ لعيالهم شيئًا كقضية الصِّدِّيقِ الآتية. والظاهرُ اختلاف الحكم باختلاف الأحوال كما نبَّهَ عليه المُحِبُّ الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ الله، ولو كان ثَمَّ صَبْرٌ من عياله ومنهُ، وأَذَنُوا في ذلك؛ فالذي يظهر كما قاله صاحب المطَّلب: أن الأفضلَ التَّصَدُّقُ، قال تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} وسببُ نزولها مشهورٌ (¬331).
تَنْبِيْهَاتٌ: ذكرها صاحبُ المطلَبِ، أحدها: الظاهرُ أنَّه لا فرقَ بين دَيْنِ الزكاة وغيره, لأنها على الفور، وقد قال الماورديُّ: إنه لا يستحبُّ الصدقة وهو عليه.
¬__________
(¬331). الحشر / 9.
عن أبي حازم، عن أبي هريرة؛ قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ليضيفه، فَلَمْ يَكُنْ عِندَهُ مَا يضيفه، فَقَالَ: [أَلَا رَجُلٌ يُضَيِّفُ هَذَا رَحِمَهُ الله؟ ] فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنصَارِ يُقَالُ لَهُ (أبو طَلْحَةَ)، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى رَحْلِهِ، فَقَالَ لامْرَأَتِهِ: أكرمِي ضَيْفَ رَسُوْلِ الله -صلى الله عليه وسلم- لا تَدَّخِرِيْنَ شَيْئًا. قَالَتْ: وَالله مَا عِنْدِي إِلَّا قُوْتُ الصِّبْيَةِ. قالَ: فَإِذَا أَرَادَ الصِّبيَةُ الْعَشَاءَ فَنَوِّمِيهِمْ وَأَطفِئِي الْمِصْباحَ وَأَرِيْهِ بأَنَّكِ تَأْكُلِيْنَ مَعَهُ، وَاترُكِيْهِ لِضَيفِ رَسُوْل الله -صلى الله عليه وسلم-. فَفَعَلَت. فَنَزَلَتْ {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}. رواه الطبري في جامع البيان: الجزء الثامن والعشرون: النص (26245). والبخارى في الصحيح: كتاب التفسير: الحديث (4889).