كتاب عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج (اسم الجزء: 3)

قُرَشِيَّةٌ والأشعثُ كِنْدِيٌّ وليست كِنْدَةُ أكفاءٌ لقريشٍ (¬430). وكذلك هَمَّ عمرُ بأن يزوِّجَ بنتَهُ من سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ (¬431)، ومما اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أنَّ الكفاءَةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ تزويجُ النبيِّ بناته لغيره ولا أحدٌ يكافِئُهُ إلاَّ أن يقال إن ذلك جَازَ لِلضَّرُورَةِ لأجْلِ نسلهِنَّ وما حصلَ مِن الذُّرِيَّةِ الطَّاهِرَةِ كما جازَ لآدَمَ عليه السلام تزويجَ بناته من بنيهِ (¬432).
وَلَوْ زَوَّجَهَا الأَقْرَبُ بِرِضَاهَا، فَلَيْسَ لِلأَبْعَدِ اعْتِرَاضٌ، إذ لا حقَّ لهُ في الولاية كذا علَّلُوهُ، ومقتضاهُ أنَّ الأبعَدَ لا يكونُ وليًّا مع الأقربِ وحينئذٍ فلا حاجَةَ إلى الاحترازِ عنهُ بقوله (الْمُسْتَوِيْنَ)؛ نعم: هو زيادةُ إيضاحٍ، وَلَوْ زَوَّجَهَا أَحَدُهُمْ، يعني أحدَ الأولياءِ المستويين، بِهِ، أي بغير كفوءٍ، بِرِضَاهَا دُوْن رِضَاهُمْ لَمْ يَصِحَّ، لأنهُم أصحابُ حقوقٍ في الكفاءَة فاعتُبِرَ إذْنهُمْ كإِذْنِ المرأةِ، وَفِي قَوْلٍ يَصِحُّ وَلَهُمُ الْفَسْخُ، لأنَّ النُقْصَانَ يقتضِي الخيارَ لا البُطلانَ كما لو اشترى معيبًا، وقال
¬__________
= وفي النسخة المطبوعة سقط حرف الهاء من (بنته) والصحيح ما أثبتناه عن ابن النحوي -ابن الملقن رحمه الله-.
(¬430) • قَالَ أسْلَمْ مَوْلَى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -؛ كَأَنِّى أنْظُرُ إلَى الأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ وَهُوَ فِي الْحَدِيْدِ يُكَلِّمُ أبَا بَكْرٍ، وَهُوَ يَقُوْلُ: فَعَلْتُ وَفَعَلْتُ حَتّى كَانَ آخِرَ ذَلِكَ سَمِعْتُ الأَشْعَثَ يَقُولُ: اسْتَبْقِنِي لِحَرْبِكَ؛ وَزَوِّجْنِي أُخْتَكَ؛ فَفَعَلَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه -.
• قال ابن عبد البر: أُخْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيْق - رضي الله عنه - الَّتِي تَزَوَّجَهَا الأَشْعَثُ بْنُ قَيسٍ هِيَ أُمُّ فَرْوَةَ بِنْتُ قحَافَةَ؛ وَهِيَ أُمُّ مُحَمَّدِ بْنِ الأَشْعَثِ.
• ينظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر: الترجمة (135). وتهذيب التهذيب لابن حجر: الترجمة (573).
(¬431) في الحاوى الكبير: ج 9 ص 108: قال الماورديُّ رحمه الله: (هَمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أنْ يُزَوِّجَ بِنْتَهُ مِنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِىِّ. فَكَرِهَ ابْنُهُ عَبْدُا لله ذَلِك، وَلَقِيَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ فَشَكَا إلَيْهِ؛ فَقَالَ: سَأَكْفِيْكَ. وَلقِيَ سَلْمَانَ. فَقَالَ: هَنِيْئًا لَكَ: إِنَّ أمِيْرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَزَمَ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَكَ كَرِيْمَتَهُ لِيَتَوَاضَعَ بِكَ. فَقَالَ: إنِّي مُتَوَاضِعٌ وَالله لاَ أَتزَوَّجُهَا).
(¬432) عن ابن عباس - رضي الله عنهما؛ وابن مسعود - رضي الله عنه -؛ وغيرهما من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (كَانَ لاَ يُوْلَدُ لآدَمَ مَوْلُودٌ إِلاّ وُلِدَ مَعَهُ جَارِيَةٌ؛ فَكَانَ يُزَوِّجُ غُلاَمَ هَذَا الْبَطْنِ جَارِيَةَ هَذَا الْبَطْنِ الآخرِ؛ وَيُزَوِّجُ جَارِيَةَ هَذَا الْبَطْنِ غُلاَمَ هَذَا الْبَطْنِ الآخَرِ). رواه ابن جرير الطبري في جامع البيان: تفسير الآية 27 من سورة المائدة: الرقم (9150). الطبرى في جامع البيان: تفسير الآية 27 من سورة المائدة: الرقم (9150).

الصفحة 1230