كتاب عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج (اسم الجزء: 4)
وَرَاهِبٍ؛ وَأَجِيْرٍ, لأنها كأجرة الدار يستوي فيه أرباب الأعذار، والطريق الثاني: البناء على جواز قتلهم، وإن قلنا بالجواز ضربت عليهم الجزية وإلا فلا إلحاقًا لهم بالصبيان والنساء، وظاهر إيراد الروضة ترجيح الطريقة الأولى، وهو من تصرّفه, وَفَقِيْرٍ عَجَزَ عَنْ كَسْبٍ, لأنه كَالْغَنِيِّ في الْحَقْنِ وَالسُّكْنَى (¬361)، فَإذَا تَمَّتْ سَنَةٌ وَهُوَ مُعْسِرٌ فَفِي ذِمَّتِهِ حَتَّى يُوْسِرَ، كما يعامل المعسر ويطالب إذا أيسر، وَاعْلَمْ: أن قوله (وَفَقِيْرٍ) هو معطوف على قوله (وَالْمَذْهَبُ)، وصريحه حكاية طريقين أو طرق في ذلك، والذي في الرافعي وغيره حكاية قولين فيه؛ أصحُّهما: الوجوب، والثاني: المنع؛ لأنها حقٌّ ماليٌّ يجب له كلِّ حَوْلٍ فلم يلزمه هذا كمال الزكاة.
فَصْلٌ: وَيُمْنَعُ كُلُّ كَافِرٍ مِنَ اسْتِيْطَانِ الْحِجَازِ, لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ أَوْصَى بِذَلِكَ كَمَا أخْرَجَهُ أحمد والبيهقي وأصلهُ في الصحيحين من حديث ابن عبَّاسٍ (¬362)، وَهُوَ، يعني الحجاز، مَكَّةُ وَالْمَدِيْنَةُ وَالْيَمَامَةُ وَقُرَاهَا، كذا فَسَّرَهُ الشافعيُّ - رضي الله عنه - (¬363)، وَقِيلَ: لَهُ الإِقَامَةُ في طُرُقِهِ الْمُمْتَدَّةِ, لأنها ليست مجتمع الناس ولا موضع الإقامة،
¬__________
(¬361) أيْ حَقْنِ دَمِهِ، مِنْ حَقَنَ دَمَهُ: مَنَعَ أَنْ يُسْفَكَ.
(¬362) عَنِ ابن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا؛ أَنَّهُ قالَ: يَوْمُ الْخَمِيْسِ وَمَا يوْمُ الْخَمِيْسِ؛ ثُمَّ بَكَى حَتَّى خَضَّبَ دَمْعُهُ الْحَصْبَاءَ. فَقالَ: اشْتَدَّ برَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَجَعَهُ يَوْمَ الْخَمِيْسِ، فَقَالَ: [ائْتُونِي بِكِتَابٍ أكْتُبُ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوَاْ بَعْدَهُ أَبَدًا] فَتَنَازَعُواْ؛ وَلاَ يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيِّ تَنَازُعٌ! وَأَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ بِثَلاَثٍ: [أَخْرِجُواْ الْمُشْرِكِيْنَ مِنْ جَزِيْرَةِ الْعَرَبِ، وَأَجِيْزُواْ الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيْزُهُمْ] وَنَسِيْتُ الثَّالِثَةَ. رواه البخاري في الصحيح: كتاب الجهاد والسير: باب جوائز الوفد: الحديث (3053). وقال: قالَ يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ: سَأَلْتُ الْمُغِيْرَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَزِيْرَةِ الْعَرَبِ؟ فَقَالَ: مَكَّةَ وَالْمَدِيْنَةُ وَالْيَمَامَةُ، وَالْيَمَنُ. وَأَضَافَ: وَالْعَرْجُ أَوَّلُ تُهَامَةَ. ومسلم في الصحيح: كتاب الوصية: باب تركِ الوصية: الحديث (20/ 1637). والبيهقي في السنن الكبرى: كتاب الجزية: الحديث (19259).
(¬363) قَالَ الشَّافِعِيُّ: (وَلَمْ أعْلَمْ أَحَدًا أَجْلَى مِنْ أَهْلِ الذَّمَّةِ مِنَ الْيَمَن, وَقَدْ كَانَتْ بِهَا ذِمَّةٌ، وَلَيْسَتِ اليَمَنُ بِحِجَازٍ؛ فَلاَ يُجْليْهِمْ أَحَدٌ مِنَ الْيَمَنِ، وَلاَ بَأْسَ أَنْ يُصَالِحَهُمْ عَلَى مُقُامِهِمْ بِالْيَمَنِ). نقله البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الجزية: الأثر (19272).