كتاب عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج (اسم الجزء: 1)

لأن الجماعة سُنَّةٌ والتطوعات لا تلزم بالشروع، وَفِي قَوْلٍ: لاَ يَجُوزُ إِلَّا بعُذْرٍ يُرَخَّصُ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ، لأن فيه إبطالاً للجماعة، وقد قال الله تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} (¬637)، وأما في العذر فجائز قطعاً، لأن الفرقة الأولى فارقت النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة ذات الرقاع بعدما صلَّى بهم ركعة (¬638).
وَمِنَ العُذْرِ تَطْوِيلُ الإِمَامِ، أى والمأموم لا يصبر لضعف أو شغل (¬639)، أَوْ تَرْكُهُ سُنَّةً مَقْصُودَةً كَتَشَهُّدٍ، أي وقنوت، ومن الأعذار ما إذا رأى على ثوب إمامه نجاسة كما قاله القفال في فتاويه.
وَلَوْ أَحْرَمَ مُنْفَرِداً ثُمَّ نَوَى الْقُدْوَةَ فِي خِلاَلِ صَلاَتَهِ جَازَ فِي الأَظْهَرِ، أي كما يجوز أن يصلى منفرداً ثم يقتدي به جماعة، نعم يكره، والثاني: لا؛ لأنَّ تحريمه سبق تحريم الإمام فلم يجز كما لو حضر معه من أول صلاته فكبَّر قَبْلَهُ، وَإِنْ كَانَ فِي رَكْعَةٍ أُخْرَى، أى لا يشترط على الجواز الاتفاق في الركعة، بل لو اختلفا وَكَانَ
¬__________
(¬637) مُحَمَّد / 33: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}.
(¬638) عن صالح بن خوات عَمَّنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ صَلاَةَ الْخَوْفِ؛ أَنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ صَلَّتْ مَعَهُ، وَطَائِفَةً وَجَاهَ الْعَدُوَّ، فَصَلَّى بِالَّذِيْنَ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ
قَائِماً وَأَتَمُّواْ لأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُواْ، فَصَفُّواْ وجاه الْعَدُوِّ وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى فَصَلَّى بِهِمِ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِساً وَاتَمُّواْ لأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ. رواه مسلم في الصحيح: كتاب صلاة المسافرين: الحديث (310/ 842).
(¬639) لحديث جابر بن عبدالله قال: صَلَّى مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ الأَنْصَارِيُّ الْعِشَاءَ لأَصْحَابِهِ، فَطَوَّلَ عَلَيْهِمْ! فَانْصَرَفَ رَجُلٌ مِنَّا؛ فَصَلَّى. فَأْخْبِرَ مُعَاذٌ عَنْهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الرَّجُلَ! دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَأَخْبَرَهُ مَا قَالَ مُعَاذُ. فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -: [أَتُرِيْدُ أَنْ تَكُونَ فَتَّاناً يَا مُعَاذُ؟ إِذَا أَمَمْتَ النَّاسَ فَاقْرَأْ بِ {الشَّمْسِ} وَ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ}]،
رواه بهذا اللفظ مسلم في الصحيح: كتاب الصلاة: باب القراءة في العشاء: الحديث (179/ 465). والبخاري في الصحيح: الحديث (705). وكان للرجل عذر في ترك الجماعة؛ أنه كانت له نَوَاضحُ، وعلى ما يبدو أنه متوجه إلى عمل، والنواضح ما استعمل من الإبل في سقي النَّخل والزرع. والله أعلم.

الصفحة 339