كتاب عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج (اسم الجزء: 2)

بالمروءة، كالأكْلِ في السُّوقِ، وَلا يُبَذِّرُ بِأَنْ يُضَيِّعَ الْمَالَ بِاحْتِمَالِ غُبْنٍ فَاحِشٍ فِي الْمُعامَلَةِ أَوْ رَمْيِهِ فِي بَحْرٍ، أَوْ إِنْفَاقِهِ فِي مُحَرَّمٍ، أي صغيرة وكبيرة لما في الأوليتين مِنْ قِلَّةِ الْعَقْلِ، والثالث: مِن قِلَّةِ الدِّيْنِ (¬108). ولو عبَّر بقوله: أو ضياعِهِ بدل إِنْفَاقِهِ كان أَولى، وَالأصَحُّ: أَنَّ صَرْفَهُ فِي الصَّدَقَةِ وُوُجُوهِ الْخَيْرِ وَالْمَطَاعِمِ وَالْمَلاَبِسِ التِي تَلِيقُ بِحَالِهِ لَيْسَ بِتَبْذِير، أما في الأولى: فلأنَّ لهُ فيه غرضًا وهو الثوابُ، وأما في الثانية: فلأنَّ المالَ يتخذ لينتفع به ويلتذ، ووجه مقابله في الأولى: أنه يوقع في الاحتياج، وفي الباقى: أن أهل العرف ينفونَ الرُّشْدَ عنه، ولا يبعد التوسط وهو أن
¬__________
(¬108) مَفْهُومُ السَّفَهِ:
• في الحديث عن النعمان بن بشير-رضي الله عنه-؛ قال: قَالَ رَسُولُ الله-صلى الله عليه وسلم-: [خُذُواْ عَلَى أيْدِي سُفَهَائِكُمْ] قال المصنف رحمه الله في التحفة: (رواه الطبراني في أكبر معاجمه بسند جيد) ينظر منه: النص (1265). وحكاه الماوردى في الحاوى الكبير: كتاب الحجر: ج 6 ص 356. والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ج 6 ص 4. وأخرجه البيهقى في شعب الإيمان: باب في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر: الحديث (7577) وسكت عنه. وحكاه الديلمى في الفردوس بمأثور الخطاب: النص (2738) وأشار المحقق في إحالته إلى كنز العمال: الرقم (5525).
• قِلَّةُ العَقْلِ سَفَهٌ؛ ومنه قِلَّةُ الدِّينِ بِغَفْلَةٍ، أما بتقصد فهى معصية وفسق. والسَّفَهُ في اللغة الْخِفَّةُ وَالسَّخَافَةُ. ثم اسْتُعْمِلَ في خِفَّةِ النَّفسِ لنقصانِ التْدَبُّرِ العاديِّ، وهو ما يقتضيه العقلُ على السحيةِ والبداهةِ، وفي اصطلاح الفقهاء: هو وضعُ المالِ في غيرِ مواضعهِ أو إتلافُهُ أو تضييعُهُ على خِلاف مُقتضى العقلِ أو الشرع، ولو في الخيرِ، كما لو صَرَفَ شخصٌ جميع مالِهِ في بناءِ مسجدٍ من غير حاجةٍ عامةٍ ... ، ويلاحظُ أن باعث السفه خفة تعتري الإنسان من الفرح أو الغضبِ، فتحمله على العملِ مِن غيرِ ملاحظةِ النفع الدنيويِّ أو الأخرويِّ. أيْ مِن غير إدراكِ القيمةِ المعينةِ في العملِ مِن قيمةٍ ماديَّةٍ أو روحيَّةٍ. فإذا غابتِ القيمةُ الماديةُ مِن العملِ كانَ المرءُ سفيهًا في العُرفِ الدنيوىِّ لِقِلَّةِ عقلهِ في التَّصَرُّفِ المَالِيِّ أو الاجتماعيِّ أو العرفيِّ العامِّ. وإذا غابتِ القيمةُ الروحيةُ مِن العملِ كانَ سفيهًا لِغَفْلَةٍ عَنِ العبادةِ والطاعةِ حتَّى لَو حضرتهُ القيمةُ الماديةُ، وكانَ حريصًا عليها، وحتَّى لو لم تظهرْ عليهِ المعصيةُ؛ لأنه في غَفْلَةٍ، فَقِلَّةُ العقلِ والغفلةُ عن الدِّينِ سَفَهٌ لا محالة.

الصفحة 790