كتاب عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج (اسم الجزء: 2)

الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: [الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِيْنَ إِلا صُلْحًا أَحَلُّ حَرَاما أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا] رواه أبو داود وصححه ابن حبان (¬115).
هُوَ قِسْمَانِ؛ أَحَدُهُمَا: يَجْرِي بَيْنَ الْمَتَدَاعِيَيْنِ، وَهُوَ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: صُلْحٌ عَلَى إِقْرَارٍ، فَإِنْ جَرَى عَلَى عَيْنٍ غَيْرِ الْمُدَّعَاةِ، فَهُوَ بَيْعٌ بِلَفْظِ الصُّلْح تَثْبُتُ فِيهِ أَحْكَامُهُ كَالشُّفْعَةِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَمَنْع تَصَرُّفِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَاشْتِرَاطِ التَّقَابُضِ إِنِ اتَّفَقَا في عِلَّةِ الرِّبَا، أي وغير ذلك من أحكامه، لأن حد البيع صادق عليه. وَقَوْلُهُ (علَى عينٍ غَيْرِ المدُّعاةِ) لو حذفَ لفظةَ عَيْنٍ لشملَ ما إذا صالحَ منها على عينٍ وعلى دَيْنٍ؛ فإن الحكمَ سواءٌ وقَدْ حذفها الحاوي الصغير فأصابَ، أَوْ عَلَى مَنْفَعَةٍ، أي كخدمة عبد، فَإِجَارَةٌ تَثْبُتُ أَحْكَامُهَا، لصدقِ حَدِّ الإجارَةِ عليهِ، أَوْ عَلَى بَعْضِ الْعَيْنِ الْمُدَّعَاةِ فَهِبَةٌ لِبَعْضِهَا لِصَاحِبِ الْيَدِ فَتَثْبُتُ أَحْكَامُهَا، أيْ المقررةِ في بابها من اشتراط القَبُول وغيرِهِ لما ذكرناه من صدق الحدِّ وهذا يسمى صلح الحطيطة. واحترَزَ بِالْمُدَّعَاةِ عما إذا ادعى شيئًا وصالح منه على بعض عين، فإنَّ هذا الصُّلْحَ بَيْعٌ إن ادعى عينًا أو دَيْنًا، أو إجارةٌ إن ادعّى منفعةً. وقوله (فَهِبَةٌ) أيْ إذا عقد بلفظ الهبةِ أو التمليكِ وشبهِهِمَا، فإنْ عُقِدَ بِلَفْظٍ البيع أو الصُّلْح فسيأتي.
وَلَا يَصِحُّ بِلَفْظِ الْبَيْعِ، لأن البيع يقتضي تقابل عوضين وهو منتفٍ هنا، وَالأَصَحُّ: صِحَّتُهُ بِلَفظِ الصُّلْحُّ، أي ويكون هبة؛ لأن الخاصية التي يفتقر إليها لفظ
¬__________
= جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}.
(¬115) الحديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه -. رواه أبو داود في السنن: كتاب الأقضية: باب في الصلح: الحديث (3594). وابن حبان في ترتيب الإحسان: كتاب الصلح: ج 7 ص 275: الحديث (5069). ورواه الإمام أحمد في المسند: ج 2 ص 366. والترمذى في الجامع: كتاب الأحكام: الحديث (1352)، وقال: هذا حديث حسن صحيح؛ وزاد فيه [وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا]. وابن ماجه في السنن: كتاب الأحكام: باب في الصلح: الحديث (2353).

الصفحة 799