كتاب رد الجميل في الذب عن إرواء الغليل

"الْحِلُّ كُلُّهُ". فَوَاقَعْنَا النِّسَاء، وتطيبنا بالطيب، ولبسنا ثيابنا، وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال، ثمَّ أهللنا يوم التروية، ثم دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على عائشة - رضي الله عنه - فوجدها تبكي، فقال: "ما شأنك"؟ قالت: شأني أنّي قد حضْت، وقد حَلَّ الناس ولم أحلل ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحجِّ الآن. فقال: "إِنَّ هذا أَمْر كَتَبَهُ الله على بَنَاتِ آدَمَ فَاغتَسِلِي ثُمَّ أهِلِّي بِالْحَجِّ". ففعلت ووقَفَت المَواقِف، حتى إذا طهرت طَافَت بالكعبة والصفا والمروة، ثم قال: "قد حَلَلْتِ من حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ جميعًا". فقالت: يا رسول الله؛ إنى أجد فى نفسي أَنِّي لم أَطُفْ بِالْبَيْتِ حتى حَجَجْت. قال: "فَاذْهَبْ بها يا عبد الرحمن، فَأعْمِرْهَا من التَّنعيمِ" وَذَلِكَ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ" (¬1).
ثم من سبقك من الأئمة بالقول إن الزيادة شاذة؟! فإن الإمام البخارى بوَّب على حديث عائشة: "بَاب امْتِشَاطِ الْمَرْأَةِ عِنْدَ غُسْلِهَا من الْمَحِيضِ". ولو كنت فقيهًا لعلِمْتَ أنه لا نقض إلا باغتسال.
على أن الإمام البخاري روى بسنده في "الصحيح"، عن عبد اللهِ بن عَبَّاسٍ - رضي الله عنه - قال: "انْطَلَقَ النبي - صلى الله عليه وسلم - من الْمَدِينَةِ بَعْدَ ما تَرَجَّلَ وَادَّهَنَ، وَلَبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ هو وَأَصْحَابُهُ" (¬2)، وهذا لا يكون عادة إلا بعد الاغتسال، والله أعلم.
¬__________
(¬1) أخرجه مسلم: (1/ 263)، والنسائي في السنن الكبرى: (2/ 356)، وأبو داود في سننه: (2/ 154).
(¬2) أخرجه البخاري في صحيحه: (2/ 560).

الصفحة 166