كتاب صحيح الأثر وجميل العبر من سيرة خير البشر (صلى الله عليه وسلم)

وذلك بعد ستة عشر شهرًا من مقدمه المدينة وقبل وقعة بدر بشهرين (¬1).
قال محمَّد بن كعب القرظي: ما خالف نبيٌّ نبيًّا قطّ في قبلة، ولا في سُنَّة إِلَّا أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استقبل بيت المقدس حين قدم المدينة ستة عشر شهرًا. ثم قرأ: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ... الآية} (¬2).
وكان لله في جعل القبلة إِلى بيت المقدس، ثم تحويلها إِلى الكعبة، حِكَمٌ عظيمة، ومحنة للمسلمين والمشركين واليهود والمنافقين.
فأمّا المسلمون، فقالوا: سمعنا وأطعنا: {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ... الآية} (¬3) وهم الذين هدى الله، ولم تكن كبيرة عليهم.
وأمّا المشركون، فقالوا: كما رجع إِلى قبلتنا (أي الكعبة)؛ يوشك أن يرجع إِلى ديننا، وما رجع إِليها إِلَّا أنّه الحقّ.
وأمّا اليهود؛ فقالوا: خالف قبلة الأنبياء قبله، ولو كان نبيَّا لكان يصلي إِلى قبلة الأنبياء. وأمّا المنافقون؛ فقالوا: ما يدري محمَّد أين يتوجّه، إِن كانت الأولى حقَّا فقد تركها، وإِن كانت الثانية هي الحق؛ فقد كان على باطل.
وكثرت أقاويل السفهاء من الناس، وكانت كما قال الله تعالى.: {وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ} (¬4)، وكانت محنة من الله امتحن بها عباده، ليرى من يتبع الرسول منهم ممن ينقلب على عقبيه (¬5).
¬__________
(¬1) ابن القيم، زاد المعاد 3/ 66. وعند ابن اسحاق (ابن هشام) 2/ 227: أنها في رجب على رأس سبعة عشر شهرا. وهي موافقة لرواية مسلم في الصحيح عن البراء من طريق أبي الأحوص ح 525.
(¬2) سورة الشورى، آية 13. وانظر ابن سعد، المصدر السابق 1/ 243.
(¬3) سورة آل عمران، آية 7.
(¬4) سورة البقرة، آية 143.
(¬5) ابن القيم، زاد المعاد 3/ 66 - 67.

الصفحة 179