كتاب عبد الوهاب خلاف الفقيه الأصولي المجدد

وقد ذكر في هذا المقال ما شاهده في الحج من روحانيات، وملاحظات
من بعض الحجاج الذين يؤدّون هذه الفريضة:
1 - ففي الروحانيات بدأ بما يحسُّ به المُحْرِمُ فقال: "إحرام الحاج ينقله
من حال إلى حال: ينقله من حياة الزينة والترف إلى حياة الفطرة والتقشف،
فهو إذا تطهّر ونوى حَجَّ بيت اللّه وسأل اللّه أن ييسر له حجه، ويتقبله منه،
وجب عليه أن يتجرّد من ثيابه، وأن يقتصر على ستر جسمه بازار ورداء،
وأن ينتعل حذاءً لا يستر قدمه، وأن يتركَ راسَه عارياً، وحرم عليه أ ن
يستعمل طيباً، وأن يحلق شعره أو يقصّره أو يرجّله، أو يقص ظفره، وأن
يجادِلَ أو يرفث أو يفسق. وعلى الجملة حرم عليه كثيراً من اسباب الزينة التي
كانت مباحة له.
وهذا أول درس رياضي تهذيبي يتلقاه الحاج من مناسك الحج، فهو
حين يظهر بإزار ورداء عاري الرأس شبه الحافي يشعر بأنَّ كلَّ عظيم هو بين
يدي اللّه خاضع ذليل، ويشعر بأن الناس سواء، وأن مظاهر الزينة والترف
التي تفرّق بين الناس ليست إلا ظواهر، وأن حقيقة الناس واحدةٌ، وأن الكِبْر
والعُجْبَ والخيلاء والتفاخر والتكاثر هي اثار غفلة الإنسان، وبهذا الشعور
يتغلّب على قهر نفسه، ومحاربة ملاذه وشهواته، ويكثر التفكير في ربه،
والندم على عصيانه ومخالفته.
وإذا وصل الحاج المحرم إلى مكة وعلى هذه الحال مظهرُهُ خالٍ من
الزينة والترف، وبين جنبيه نفسٌ شاعرةٌ بالخضوع دلّه، توّاقة إلى الرجوع إلى
اللّه. ودخل المسجد الحرام ورأى الكعبة التي جعلها الله قياماً للناس، شعر
بأنّه في بيت اللّه، وفي ضيافة اللّه، وأنّ عليه أن يتطهّر من آثامه تكريماً لمن
هو في ضيافته، إذ كيف يكرمه الله في بيته، وهو مدنّس بعصيانه ومصرّ على
مخالفته؟ هذا الشعور يملأ قلب الحاج، وهو أمام الكعبة، فيندفع في البكاء
والدعاء، والتضرع والابتهال، ويطوف حول الكعبة طواف تحية القدوم،
وقلبه متفطر، وعيناه باكيتان، ولسانه ضارع، ويداه مرفوعتان، وكل
59

الصفحة 59