هذه المقارنة البارعةُ التي يمّدّمها المؤلف في فصله الأول، والتي
يخرج منها بأنَّ نظرة الرجل المسلم هي أسلمُ النظرات وأشملها، من
أبدع ما قرأت عن الفكر الإسلامية في أي كتاب من الشرق اوالغرب.
وإنِّي اتخيّلُ لو أنَّ كاتباً مسلماً هو الذي تناول هذه النقطة لما عبَّر عنها
ولا بلورها بأجمل ولا أنصع مما فعل المؤلف في الصفحات الأولى من
الكتاب.
عيمب 3
وكذلك يعقد مقارنة بين مفهوم التضحية في المسيحية وفي الإسلام.
إنها في كلا الحالين تضحية. ولكنها في المفهوم المسيحي تضحيةٌ
سلبية، وفي المفهوم الإسلامي تضحية إيجابية.
المسيحي يضحي بنفسه، لأنه لا يريدُ أن تمرّ به عجلة التاريخ
الخاطئة وهو حي وسامح لها بالمرور. فهو يقف في طريفها حتى تدوسه
وتقتله. ويكون ذلك أغلى قربان يتقدّم به إلى اللّه.
أما المسلم حين يضحي بنفسه ففي ح! ه ان هناك نظاماً إلهياً يرادُ
أن يطبق في واقع الأرض، وفي حسه أنّه وهو يضحّي بنفسه يدفع عجلة
هذا النظام خطوة إلى الإمام. يدفعها في سبيل التحقيق الواقعي في عالم
الأرض. فهي تضحيةٌ إيجابية، ذات أثر فعال في واقع الحياة.
وكذلك أيضاً يقرّر المؤلف أنَّ النظام الإِسلاميَّ نظامٌ فريد في تاريخ
الأرضٍ كله، وتاريخ نُظُمها كذلك. فريد في أنّه يصوغ واقع الأرض
صياغة إلهية، ويحقق ذلك في واقع الأرض لافي عالم المُثل
والأحلام. نطام يوحِّدُ بين السماء والأرض، بين المفاهيم الخلقية
213