ولكنّ هذا الوجه المنصف الصريح ليس هو الوجه الوحيد للكتاب:
فبعد هذه المقدِّمات الجميلة عن الفكرة الإسلامية، بعد هذه
الصراحة العجيبة في معالجة بعض الأمور السياسية الدقيقة، يتحوَّلُ
المؤلف إلى وجهة جديدة يبدو من الغريب ان تصدر عن نفس المؤلف
الذي قال هذا الكلام في مقدمات الكتاب.
لقد قال: "إنّ النظام الإسلامي متفرّد، لأنّه يصوغُ المجتمع صياغة
إلهية، ويحقق في واقع المجتمع أفكاره التي يستمدها من العقيدة،
ومن ثَمَّ فهو بعيدٌ عن الثنائية التي تعيش فيها النطم الغربية الحاضرة.
واكد لك بوضوح كامل في الفصل الأول أن هذه هي مزية الإسلام على
غيره من النطم، وأنّ هذه هي حقيقته الجوهرية التي يلمسها كل دارس
لهذا الدين ".
ولكنه يعودُ فيقول لك: "إنّ على المسلمين أن يساوقوا حركة
التطور، فيفصلوا بين الدين وسياسةِ امورِ المجتمع، ويفصلوا بين
المثال والواقع، بين السماء والأرض، أي ان يعيشوا في ثنائية مشابهة
لتلك التي يعيشُ فيها الغرب. وبعبارة أخرى أن يتخلَّوْا عن الحقيقة
الجوهرية للإسلام ا ".
كيف يخرجُ المؤلف بهذه النتيجة من تلك المقدمات؟
إنّه يدور دورةً طويلةً مع التاريخ - التاريخ الحديث بصفة خاصة-
ليقول: "إنّ المسلمين تأخّروا في الفترة الأخيرة عن اللحاق بركب
المدنية، وإنَّ المدنية استحدثت أدوات جديدة للحياة، أدوات
اقتصادية واجتماعية وسياسية صارت جزءاً لا يتجزّأ من الحياة
الحديثة، وإنّ على المسلمين أن يتّخذوا هذه الأدوات ذاتها إذا أرادوا
215