كتاب المنهج العلمي لطلاب العلم الشرعي
كُلُّهَا مِنْ فُضُوْلِ النَّظَرِ، فَكَمْ نَظْرَةٍ أعْقَبَتْ حَسَرَاتٍ لا حَسْرَةً، كَما قَالَ الشَّاعِرُ:
كُلُّ الحَوَادِثِ مَبْدَأُهَا مِنَ النَّظَرِ ... ومُعْظَمُ النَّارِ مِنْ مُسْتَصْغَرِ الشَّرَرِ
كَمْ نَظْرَةٍ فَتكَتْ في قَلْبِ صَاحِبِهَا ... فَتْكَ السِّهَامِ بَلا قَوْسٍ ولا وَتَرِ
وقَالَ الآخَرُ:
وكُنْتَ مَتَى أرْسَلْتَ طَرْفَكَ رَائِدًا ... لقَلْبِكَ يَوْمًا أتْعَبَتْكَ المَنَاظِرُ
رَأيتُ الَّذِي لا كُلُّهُ أنْتَ قَادِرٌ ... عَلَيهِ ولا عَنْ بَعْضِهِ أنْتَ صَابِرُ
* * *
وهَذَا أبو الدَّرْدَاءِ رَضِيَ الله عَنْهُ يحذِّرُ مَوَاطِنَ النَّظَرِ بِقْوْلِهِ: "إيَّاكُمْ والسُّوْقَ، فإنَّها تُلْغِي وتُلْهِي" (¬1)، نَعَمْ؛ لأنَّ السُّوْقَ مَوْرِدُ النَّظَرِ إلى الصُّوَرِ، ومَثَارَةُ التَّلَفُّتِ إلى الزِّينَةِ والفِتْنَةِ!
وقَدْ عَدَّ بَعْضُ السَّلَفِ كَثْرَةَ الالْتِفَاتِ مِنْ خَوَارِمِ المُروْءَةِ، وهَذَا مَا ذَكَرَهُ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ رَحِمَهُ الله: "لَيسَ مِنَ المُروْءَةِ كَثْرَةُ الالْتِفَاتِ في الطَّرِيقِ! " (¬2).
¬__________
(¬1) انْظُرْ "الزُّهْدَ" للإمَامِ أحمَدَ (168).
(¬2) انْظُرْ "بَهْجَةَ المَجَالِسِ" لابنِ عَبْدِ البرِّ (1/ 644).
الصفحة 144